فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 1217

فإن قال قائل: فما أنكرت أن الأعمال ليست بإيمان، لأن فعل ما يجب منها لا ينفك عن كفره، وتركه لا يوقع في كفره.

فالواجبات من هذا الوجه كالمباحات فلما لم يكن فعل المباح إيمانًا، لم يكن فعل الواجب إيمانًا؟

فالجواب: أن فعل المباح إرادة لوجه الله إيمان، وذلك كالكسب الذي يراد به إعانة العاجز، والتسحر لصيام الغد، وإتيان الأهل من غير حاجة إليه نظرًا لها، أو توقعًا لولد يعبد الله ويوحده، وكالإفطار عند مجيء الليل تحررًا من شبه الوصال.

وليس شيء من الطاعات إلا ويراد به وجه الله تعالى، فإذا قلنا: إن المباح الذي يراد به وجه الله تعالى، ففعله إيمان.

فقد سوينا بين الطاعات وبين ما يشبهها من المباحات، وسقط السؤال عنا لأنه لا يبقى وراء هذا الصنف من المباح إلا ما يراد به وجه الله، وليس ذلك لصفة الطاعات، فلا يلزمنا أن نسوي بينهما مع اختلافهما وتباينهما في المعنى والله أعلم.

وجواب آخر: وهو أن هذا الإعتلال لا يقوم به حجة، لأن معنانا في أن كل طاعة إيمان، إن الإيمان هو التصديق، والطاعة تصديق بالأمر وأمره ووعده ووعيده فكانت إيمانًا، فهذا مالا يتهيأ جحده ولا نفيه بالمقايسات، لأن كل ما ينصب منها، لنفى أن تكون كل طاعة إيمانًا، فإنما يرجع إلى نفي أن تكون كل طاعة تصديقًا، وما كان تصديقًا ضرورة، فنفي أن يكون تصديقًا بالمقايسة لا معنى لها.

وهو كمن ينفي أن يكون خبر يذكره خبرًا بعلة يعتل فلا يقبل منه، لأنه إذا كان الخبر مما يدخله الصدق والكذب، وكان ما يذكره قولًا يدخله الصدق والكذب، فقد وجب أن يكون خبرًا، وكل علة نفى بها أن يكون خبرًا فإنما ينفي أن يكون محتملًا للصدق والكذب، وذلك وصف ثابت له ضرورة فلا يلتفت إلى نفيها بالمقايسة، فلذلك هذا الإعتلال، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت