فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 1217

وروى أبو الحصين أن عمر قال: إني كنت لما وليت هذا الأمر لم يكن يحضرني أخوف عندي أن يشركني فيه، من امرأة كانت لها عندي منزلة فطلقتها، فلما وليت وعصمني الله، منعتها نفسي، فكتبت فيها فوجدتها قد ماتت.

فقلت: ما قضى الله خير.

وكانت المرأة بالشام.

وذكر لعمر وقت قتل عثمان رضي الله عنهما، فقال: كلف بأقاربه ومن ذلك أتى فقتل.

فلا ينبغي للإمام أن يقدم أقاربه على عامة المسلمين ولا يستوفهم ما لا يسوغ غيرهم، ولا ينظر لهم بما لا ينظر به لغيرهم ولا يستعملهم ويوليهم، ويدع الناس سواهم والله أعلم.

(فصل)

وإذا أراد حاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب لا يهمه إلا النظر في أمور المتظلمين، وإن تغيرت حاله بغضب أو غم أو سرور مفرط أو وجع أو ملالة، أو إغراء يوم أو جو غم، فليقم إلى أن يزول ما به، ويتمكن من رأيه وعقله، ثم يجلس.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» .

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان» وروي أن شريحًا كان إذا غضب قام وترك القضاء.

وقال عمر بن عبد العزيز لما استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة: لا تقضين بين الناس على سآمة ولا غضب ولا حاجة إلى مطعم.

وكان ابن أبي ليلى والشعبي يطعمان ثم يخرجان إلى مجلس الحكم ويقول الشعبي: آخذ حكمي.

ومن الأصل في هذا الباب ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف، فليقم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيثيب نفسه» فعلى هذا إذا نعس الحاكم في مجلس حكمه لم يأمن أن يسمع من أحد الخصمين أو الشهود شيئًا فيراه غيره أو يرد الحكم بشيء، فيقول غيره.

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ليصلين أحدكم وهو ريان، ولا يصلين أحدكم وهو يدافع الأجنبين» وما ذلك إلا لأن رأيه لا يكل في مثل هذه الحال، فلا يمكنه أن يوفي الصلاة حقها من الخشوع، كذلك رأي القاضي لا يكل في مثلها ولا يتسع للاجتهاد، ولا يسلم نظره سلامة تسكن القلب الدهاء وتقع الثقة بها.

فلا ينبغي له أن يقضي عندها.

وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «غزا نبي من الأنبياء - صلى الله عليه وسلّم - بأصحابه فقال: لا يتبعني رجل بنى دارًا لم يسكنها أو تزوج امرأة لم يبن بها، أو له حاجة في رجوعه» .

فتأول العلماء ذلك على أنه أراد أن يكون لقاؤه العدو بأصحابه، لا يشغل في قلوبهم بعطفهم عن قتال أعدائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت