(فصل)
فأما الوتر فإنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «الوتر حق فمن شاء فليوتر بسبع ومن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» .
وبذلك نقول: إن الإتيان بأكثر من واحدة إنما يكون بالموالاة الركعات، وتأخير الجلوس في آخرهن فإن ذلك.
روى سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو أنه كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك ثم توضأ ثم صلى ثماني ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثم يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة.
فلما ظهر أن صفة الإتيان بالخمس، هذا علمنا أن الإتيان بالسبع والثلاث كالإتيان بالخمس.
وروي عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يوتر بثلاث ركعات لا يجلس إلا في آخرهن.
وإن أوتر بتسع أو إحدى عشرة ركعة فصلى ما وصفنا والله أعلم.
وأما إذا صلى ثلاث ركعات، وصلى في منتهاها وتشهد، ثم قام إلى الثالثة فصلاها، سلم من الثانية أو لم يسلم، لم يكن موترًا بها كلها، وإنما يكون موترًا بالثالثة وحدها، ويكون كأنه صلى ركعتين تطوعًا ثم اتبعها أخرى، فأوترهما بها.
وذلك جائز لأن الوتر نافلة.
فإن خلطت بالشفع الذي تقدمنا من النافلة فلا بأس ولا فرق من خلط الوتر بشفع قبله، وبين خلط شفع بشفع، إذ كل ذلك نفل.
فليس للحد نفل حد لا يجاوز، وبأن ما وصفنا أن عائشة رضي الله عنها أخبرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: كان يصلي من الليل عشرًا مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة.
وأخبرت عنه: كان يقوم فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن، ولا عند الثانية، فيحمد ربه ويذكره، ويدعو ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه ويذكره، ويدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعناه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة، فأبانت بقولها فتلك إحدى عشرة ركعة، أن هذه هي الركعات التي كان تعود القيام بها وكان يصليها مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة.
وظهر لنا من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان ربما فرق هذه الركعات وربما جمعها.
وكان إذا جمعها والى بينها إلى ثمان ولا يخالها جلوسًا ثم يجلس، ثم يقوم إلى التاسعة التي هي الوتر ليفضل بين الشفع والوتر ضربًا من الفضل، فيكون كأنه قام بثماني ركعات ثم أوتر بواحدة.
وهذا لأن كلها نفل فجمعها كتفريقها، وتفريقها كجمعها.
ثم كان يصلي بعد التسع ركعتين، فيبلغ الجميع إحدى عشرة ركعة.