فإن قيل: إنه - صلى الله عليه وسلّم - كان يؤمر للأمر في حياته، فإذا مات عن غير تأمير، فمن الذي يؤمر؟ ولو كان لأحد أن يؤمر بعد موته لكان ذلك التؤمر بنفسه أميرًا، ويستغني عن تأميره غيره، فإذا لم يكن بعده واحد منهم مالك أمر، فكيف يكون له أن يؤمر غيره.
والجواب: إن على جماعة المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة، وكلمتهم متفقة وأن تكون احكام الله جارية بينهم، وحدوده مقامة فيهم، وجهاد اعدائه موجودًا منهم، وهم مع ذلك مجبولون على اختلاف الآراء والهمم.
فإن تخلوا عن إمام يضمهم ويقوم عليهم لم يكد يصف بعضهم بعضًا، ولم يؤمن أن يكسلوا عن إقام الصلوات في الجماعات ويستحبوا بالزكوات ويقعدوا عن الجهاد، ويعطلوا الحدود، فيكثر الفساد وتشيع الفواحش، وإذا كان فيما بينهم إمام قد يقبلوا طاعته قام عليهم وساسهم ودبر أمرهم واستوفى منهم حقوق الله تعالى، وأقام عليهم حدوده، ونفذ فيهم أحكامه وأمرهم فأطاعوه ودعاهم إلى ما فيه صلاحهم فأجابوه.
فصح أن بهم الإمام أشد الحاجة، إذ كان لا يتهيأ لهم أن يحفظوا دين الله فلا تضيع شريعته ولا تدرس إلا به.
وإذا صار الإمام لما وصفناه من حقهم لم يجز أن يكون يدبر حقوقهم، خارجًا من بينهم، لأنه إذا خرج من بينهم فليس وراءهم إلا أضدادهم، ولا يجوز أن يكون تدبر حقهم إلى أضدادهم.
فثبت بذلك أن اختيار الإمام ونصبه إليهم، إذا لم يكن فيهم رسول من الله تعالى يتولى أمرهم يعلم فوق علمهم بنظر أشد وأقوام من نظرهم.
وكان إخراج الله تعالى إياهم إلى الإمام ثم تركه النص به على واحد منهم لعينه إذنًا من الله تعالى لهم في أن يعلموا في اختياره ونصبه بما لا يقدرون على غيره ولا على أكثر منه.
فإن ذلك إذا لم يكن لزمت الحاجة واشتدت الضرورة ولم يؤخذ على ما يرفعها إلا أن تدرس المسألة وتذهب الشريعة لا يجوز أن يفرض الله تعالى على عباده فرضًا، ولا يحل لهم سبيلًا إلا بإمام.
دل ذلك على أن ينتهوا فيه إلى أقصى ما يطيقونه من التحري والإختبار، ثم لينصبوه، ولا يمنعهم من ذلك إذا اجتمعوا أن كل واحد منهم لا يملك بأميره غيره، إذ لو ملك بأميره غيره لكان أميرًا بنفسه، لأن الاجتماع قد يغير حكم الانفراد.
وكذلك صلاة الجمعة يجتمع أهل المصر عليها فينادى ويصيح منهم، ولو زاد كل واحد منهم الإفراد بهما لم يجز.
فلا ينكر أن تكون الجماعة إذا اعتقدت الإمامة لواحد بعتقد، وصار إمامهم وإن كل واحد منهم لا يملك من الأمر على الانفراد شيئًا وبالله التوفيق.