فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1217

وبما أنعم الله تعالى على الناس في هيئة خلقهم إن جرد أبدانهم عن الشعور، فلان ذوات الشعور، خلقت شعورهم لتكون أثاثًا ومتاعًا، فلما لم يخلق فوق الناس من يمتهن الناس، سائر الحيوان، أشعر الناس بغير شعار الحيوان سواه.

ولأن سائر الحيوان إذا لم يكن لها عقول لم تقدر من تدبير أمرها ما يقدر عليه الناس، فجعلت لها الشعور لتقيها الحر الشديد والبرد الشديد، وتحول بين أبدانها وبين صلابة الأرض وبذلك وقذاها، ولم يخلق للناس الشعور لأن التجرد عنها أنعم لأبدانهم وأمكن لتنظيفها، فإن تأذوا بحر أو برد قدروا على التخلص منها بالأكباد والملابس.

وإن احتاجوا إلى ما يحول بينهم وبين خفاء الأرض وأبدانها وأقذيتها، وجدوا من الفرش والمتاع ما يتوصلون به إلى ذلك، فيكون استعمالهم كل شيء أعد لهم من هذه الآلات بقدر الحاجة إليه لتدوم لأبدانها النعمة ولنفوسها الطيبة، ولا يحدث عنها أمر يتأذى به.

وأما المخالب، فإنها لم تجعل الناس لأن ذوات المخالب لم تقبض لها من سعى عليها، فاحتاجت إلى أن تسعى على أنفسها، وسخرت مع ذلك للناس حتى إن أرادوا منها أن تصطاد لهم كما تصطاد لأنفسها، أصابوا منها حاجتهم، ولم يكن فوقهم من يسخرهم، فأشعر كل ما يليق بحاله والله أعلم.

ولأن الناس إذا كانت لهم عقول، فإذا تمكنوا من الاصطياد بالآلات التي تصلح له، والسباع لا عقول لها، فكفيت أمرها أن خلق من الآلة لها والله أعلم.

فإن قيل: أقل ما ذكرتم في هذا وفي الشعر، وجب أن يكون حظ غير الناس من نظر الله تعالى أكثر من حظ الناس، لأنها مكفية والناس معرضون لتكلف كثير، والكفاية أنظر من التكلف؟

قيل: ليس كذلك، لأن الكفاية الواقعة لغير الناس، إنما هي بإحضارها الآلات بأعبائها في الأصل عما يحتاج إليه الناس.

فإذا استوى الكل في الحاجة، كان الناس معانين بالآلات بقضاء حوائجهم بها إذا عرضت، ثم يرفضونها ويعيشون دونها مترفهين وغيرهم تلزمه آلاتها في حال الحاجة وغير حال الحاجة لا يجدون محيصًا من كلها.

كان ذلك أدل لها وأشق، وكان ما وصفناه من حال الإنسان وأنعم الإنسان وأوفر.

فصح أن حظ الإنسان من نظر الله - عز وجل - أكثر من حظ غيره.

وأيضًا فإن الله - عز وجل - إنما لم يخلق للناس الشعور لأنه أراد أن يكسوهم من الملابس الناعمة الحسنة البهية ما كساهم، فجردهم عن الشعور ليخرجهم إلى ما أعد لهم، حتى إذا وصلوا إليها ومكنهم منها تنعموا بها وابتهجوا، ولم يخلق لهم مخالب لأنه أراد أن يطعمهم مما تنبت الأرض أصناف الطيبات.

وأن يخلق لهم من الأسلحة أصنافًا يتقون بها أكثر من المخالب، وأمكن النيل من العدو.

وكان من الجنس أو من غير الجنس، ومما تباح لحومها من الدواب والطائر وأخلاهم من المخالب ليحوجهم إليها، حتى إذا يسرها لهم ومكنهم منها أكثروا وتقووا وابتهجوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت