فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 1217

وقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} ، فقيل من تكريمه أن جعله يأكل بيديه ولم يحوجه إلى أن يأخذ الطعام من الأرض، ولا كالفيل الذي يأخذ الماء بخرطومه فيصبه منه في حلقه.

ومن نعم الله تعالى على الإنسان أن أعطاه اللسان ففضله به على سائر الحيوان، كما فضله بالعقل.

حتى إذا أراد اطلاع غيره على ما في نفسه خاطبه وأعرب عنه بلسانه، فعلم المخاطب بذلك مراده.

فإذا أراد أن يعلمه شيئًا هو جاهل به خاطبه، وبين له بلسانه ما في نفسه.

فإذا سمعه ذلك الغير أدرك مراده منه، فصار مكانه في العلم الواقع له فذلك قوله عز وجل: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ} ، ويتلو هذا، الخط بالقلم، لأن فيه من الأفهام ما في المنطق.

قال الله عز وجل: {وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، وليس موضع المنة بالخط والقلم بأقل من موضع المنة بالبيان.

ولا أعجوبة فيه أقل منها في الكلام.

فإن الواحد كما يكون عنده علم مكنون من خبر السماء والأرض لا يعلمه منه إلا الله، فتكلم غيره بحروف ليس فيها إلا أنها أصوات مقطعة، فيقع له إذا سمعها من العلم مثل ما هو واقع للمتكلم، ولما لم يكن منه للآخر شركة في الجهة التي منها كان له العلم.

فكذلك يكون له عنده علم وهو بأقصى المشرق، فيأخذ ورقًا فيصور فيه حروفًا وينفذها إلى أقصى المغرب، فإذا نظر فيها الناظر وقع له العلم الذي عند الكاتب المصور لتلك الحروف.

فليس أحد التدبيرين والوضعين أدنى رتبة ولا أقل فائدة، ولا أنقص حكمة من الآخر، ولا المنة به من مدبره وواضعه أقل منها بالآخر.

وفي أنعام الله - عز وجل - على الإنسان منه عز اسمه أخرى، وهو أنه يتيسر له لذكر الله - عز وجل - دعائه بالأسماء الحسنى، ومدحه بالصفات العلى، وقراءة كتابه المنزل وسنن نبيه - صلى الله عليه وسلّم -، وتعليم كل ذلك غيره.

ومثل هذه المنة في الحواس موجودة لأنه يدرك بالجمع وحي الله - عز وجل - الذي أوحاه إلى أنبيائه.

ويدرك بالبصر ملائكته وأنبياءه وآياتهم.

ومن فاتته مشاهدتهم، فأصحابهم وأبصارهم وخلفاؤهم، وكل واحدة من هاتين المنتين ففيها زيادة على المنة الواقعة بنفس السمع والبصر، لأن تلك هي منة الإدراك فقط.

وهاتان إنما يرجع المعنى فيهما إلى شرف المدرك وجلال قدره، فلذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - الذي يسمع الوحي أشرف وأجل قدرًا من الذي لا يسمعه.

وإنما يقف عليه نبينا مع الشيء إياه.

وكان الصحابي إذا أدرك الرسول وصحبه أفضل من التابعي، والتابعي الذي لم يدركه ولم يصحبه.

فهذا يدل على أن سماع الوحي، وعيان الرسول فضل.

ولا شك في وجوب المنة، بما يقع التوصل إليهما به وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت