(فصل)
ومن آثار الصالحين في هذا الكتاب: جاء أن عبد الله بن الزبير كان يحيي الليل دهره أجمع، وكان يحيي ليلة قائمًا حتى يصبح، ويحيي ليلة راكعًا حتى يصبح، ويحيي ليلة ساجدًا حتى يصبح، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا ينام من الليل إلا قليلًا وكان له مهراس فيه ماء فيصلي ما قدر عليه ثم يأوي إلى فراشه.
فيغفوا إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ، ثم يرجع إلى فراشه فيغفو إغفاء الطير، ثم يثب فيتوضأ ويصلي، ثم يفعل ذلك في ليله أربع مرات أو خمس.
وقالت ابنة الربيع لأبيها: يا أبتاه، مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه، إن أباك يخاف السبات.
وقالت المرأة التي نزل بها عامر بن عبد القيس لعامر: ما للناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم لا تدعني أنام.
وقال يزيد الرقاشي رضي الله عنه: إذا نمت فاستيقظت، ثم عدت الثانية في النوم، فلا أنام الله عيني.
وكان عمر بن عقبة بن فرقة يخرج فيركب فرسه في جنح الليل فيأتي المقابر، فيقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأقلام، ولا تستعينون من سيئة ولا تستزيدون في حسنة، ثم يبكي فينزل عن فرسه، فيصف ما بين قدميه، ثم يصلي حتى يصبح.
فإذا طلع الفجر ركب فرسه حتى يأتي مسجد حبه، فيصلي مع القوم كأنه لم يكن في شيء مما كان فيه.
وكان صلة بن أشم يخرج إلى الجنان فيتعبد، فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا النهار عن الطريق وناموا الليل متى يقطعون سفرهم أفكان كذلك يمر بهم ذات يوم، فقال لهم هذه المقالة، فانتبه شاب منهم فقال: يا قوم إنه والله ما يعني غيرنا، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام، ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف إلى الجبال ويتعبد حتى مات.
وعن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله قال: كانت امرأة متعبدة من أهل اليمن، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها.
فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم غيره فاجتهدت، وقال عبد الله بن مسعود رحمه الله: فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر على صدقة العلانية.
وكان عمرو بن العاص رحمه الله يصلي من الليل وهو يبكي ويقول: اللهم أتيت عمروًا مالًا، فإن كان أحب إليك أن تسلب عمرًا مالًا ولا تعذبه بالنار فأسلبه ماله.
وإنك أتيت عمروًا ولدًا، فإن كان أحب أن تثكل عمروًا ولده فلا تعذبه بالنار فاثكله ولده.
فإنك آتيت عمرًا سلطانًا، فإن كان أحب إليك أن تنزع عنه سلطانه ولا تعذبه بالنار فانزع سلطانه.
وكتب معاوية رحمه الله إلى عامل البصرة: أما بعد جاءك كتابي هذا فزوج عامر بن عبد القيس أصلح نساء قومه، وأصدقها من بيت مال المسلمين، فأرسل إلى عامر فقرأ عليه الكتاب، فقال: إني لذائب الخطيئة.
فلم يدعه حتى زوجه امرأة من صلحاء قومه من مال بيت مال المسلمين.
فجهزت ثم ذهب بعامر حتى أدخل عليها فقام إلى مصلاه لا يلتفت إليها، حتى إذا رأى تباشير الصبح قال: يا هذه، ضعي خمارك، فلما وضعها قال: أعيدي، ثم قال: أتدرين لم أمرتك أن تضعي خمارك، لئلا يؤخذ منك شيء أعطيت.
وكان عامر رضي الله عنه يقول: ما رأيت كالجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام بها ربها.
فكان إذا جاء الليل قال: أذهبت النار يا قوم فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهبت النار يا قوم، فما ينام حتى يمسي.
وإذا جاء الليل قال: من خاف أدلج ويقول عند الصباح: يحمل القوم السرى.
وكانت رابعة العدوية إذا جاء الليل تقول: هذه ليلتي أمرت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء النهار: قالت: هذا يومي الذي أمرت فيه فما تنام حتى تمسي.
وإذا جاء الشتاء لبست الرقاق ليمنعها البرد من النوم.