فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 1217

(فصل)

وكل ما ثبت من حدث السماء والأرض فهو دليل على أن لهما محدثًا لا يجوز أن يكون حدثًا اتفاقًا.

فإنه لو جاز أن تحدث السماوات والأرضون اتفاقًا، فلجاز أن يزداد كوكبه ويزداد جبل في الأرض اتفاقًا.

ولئن جاز أن يحدث اتفاقًا.

ولئن جاز أن يحدث اتفاقًا فلجاز أن يعدم اتفاقًا.

وليجز أن يحدث الإنسان اتفاقًا، وليجز أن يحدث عنهما أخرى اتفاقًا دون هذه السماء.

فإذا كانت إجادة كل شيء مما ذكرنا تجاهلًا، كانت إجازة أن تكون السماوات والأرضون على ما هما عليه من النظام والصنع الشديد المتفق حديث اتفاقًا أولى بالتجاهل وبالله التوفيق.

فإن قال قائل: أرأيتم لو قلب هذا عليكم، قال فقال: لو كان وجودها عن إحداث محدث وخلق خالق لجاز أن يوجد مثلهما أو شيء مما ذكرتم اليوم خلقًا له.

قيل له: ولا سؤالًا بها إذا كانت خلقًا لخالق فعلق وجودها بمشيئته، فإن شاء أحدث وخلق، وإن شاء لم يحدث ولم يخلق.

فأما إذا كان الحدوث اتفاقًا، فليس شيء بالحدوث اتفاقًا أولى من شيء، ولا وقت وجود الاتفاق فيه أولى من وقت، وإن لم يكن الوجود اتفاقًا أولى من القدم اتفاقًا، فهذا فرق ما بين القولين وبالله التوفيق.

(فصل)

فإن قال قائل: قد ثبت جواز أن يكون الباري جل ثناؤه اخترع الجواهر، فما الذي يدل على أن وجودها من قبل اختراعه لا من حيث إنه كان علة له، فوجب عن وجوده وجودها.

قيل: ـ وبالله التوفيق ـ أنكرنا ذلك لأن قائل هذا القول لا يخلو من أن يقول: أن الجواهر وجدت لوجود الباري عن غير اختيار منه واردة لوجودها وكونها، أو يقول: وجب عن وجودها من غير اختيار كان منه، ولا إرادة!

فإن قال: إنما وجدت باختياره وإرادته! قيل له: وجدت عندك بعد أن لم تكن.

أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وإرادته! قيل له وجدت عندك بعد أن لم تكن.

أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وإرادته، فإن قال: وجدت باختياره وإرادته بعد أن لم تكن، فهذا قولنا.

وإنما الخلاف بيننا في تسمية الله - عز وجل - علة، فإنا لا نخبر ذلك لما فيه من اتهام الباطل، وإنه اسم لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا وقع عليه من المسلمين إجماع، ولا هو في معنى ما ورد به النص أو وقع الإجماع عليه.

وإن قال: كانت موجودة معه لا باختياره وإرادته! قيل له: فهي إذًا قديمة عندك.

فكل دليل أقمناه على حدثها فهو حجة عليه.

ويقال له: ما أنكرت أنه يستحيل، فلا يمكن أن تكون لم تزل موجودة معه بشرط اختياره وإرادته لأن وجودها معه، يوجب قدمها، وتعلق ذلك الوجود بإرادته يحل قدمها، لا ما كان لوجوده سبب لم يكن قديمًا إذ القديم هو الذي لا سبب لوجوده.

وما كان لوجوده سبب، اختص وجوده بذلك السبب، فكان موجودًا من جهته ولأجله.

ولو توهم منفكًا من ذلك السبب لم يكن أن يتوهم موجودًا، وهذا هو المحدث.

فأما القديم فهو الموجود بالإطلاق الذي لا يمكن أن يضاف وجوده إلى ما سواه.

فصح أن وصف الجواهر بأنها لم تزل موجودة مع الباري جل جلاله، وإن وجودها معه كانت باختياره وإرادته، قول متناقض وحكم فاسد.

فإن قال: إنما كان يلزمني هذا لو أجزت إمكان إن كان يكون الباري في الأزل غير مريد لوجود هذه الجواهر معه.

قيل: هذا هو المحال الذي لا يجوز الذهاب إليه.

لأن الجواهر إن كانت لم تزل موجودة مع الباري، لم يجز أن يكون الباري بأنه شاء لوجودها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت