فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 1217

(فصل)

فإن قال قائل: أليس كما أنعم الله تعالى على عباده بهذه النعم وبغيرها مما لم يذكروها، فقد ابتلاهم ببلايا، وختم عليهم بالمنايا، وحل بينهم وبين الخطايا، وعرضهم بها لأسوأ القضايا فما الوجه في هذا عندكم؟

فالجواب: ـ وبالله التوفيق ـ إن البلايا ضربان:

ضرب جعله الله تعالى عقوبة لمن أصيبه.

فإذا صبر المبتلى عليه وتاب إلى الله من ذنبه، جعله تمحيصًا له وكفارة، وضرب يعوض به من يناله، لما هو خير له مما يبتليه إياه ببلية.

وهذان جمعا للمؤمن.

وأما الكفار فليس أمرهم بخارج من أن يكون عقوبة لهم، لا تتضمن معنى التمحيص لأنه لا تمحيص مع الكفر، ولو أسلموا في تلك الحال لصار لهم تمحيصًا.

وكذلك التعويض للثواب إنما يقع لهم بشرط الإيمان فيفسدونه على أنفسهم بترك الإيمان.

كما أن جعل من ذلك للمؤمنين تعويضًا للثواب، إنما يكون ذلك بشرط الصبر والاحتساب.

فإن جزعوا وقالوا لا ينبغي لهم أن يقولوه، أفسدوه على أنفسهم، وليس إقبال العبد النعمة على نفسه بدافع أن يكون الله تعالى قد أنعم عليه، كما أن الواحد منا قد ينعم ببعض ما عنده على آخر فيعيده على نفسه ببعض ما يفسد به مثله، فلا يدفع ذلك وجود الإنعام من الآخر عليه، والله أعلم.

وأما الميتة فليس بخارج من وجوه الإنعام لأنها تخلص المؤمن من دار المحنة، وتريحه من الجهد، وتؤمنه من الخوف، وتصيره إلى ما أعد الله من حسن المآب وجزيل الثواب.

وأما الكافر فإنها تقطعه عن ازدياد المآثم والأوزار والاستكثار من الجرائم والآصار.

فهي إذًا لكل واحدة منهما نعمة والله أعلم.

فإن قيل: لو كانت نعمة للكافر لأنها تقطعه عن الآثام، لوجب أن لا تكون نعمة للمؤمن لأنها تقطعه عن الحسنات؟

قيل: إن المؤمن إذا انقطع عن الحسنات فقد قدم منها بالحجازة عن النار، ونورده من النعيم على ما له في أيسر اليسير منه كفاية، والكافر لم يقدم إلا السيئات فإذا انقطع عن ازديادها، استفاد بذلك أن لا يزاد العذاب عليه.

فالميتة إذًا خير له وليست بشر للمؤمن.

وأما التخلية من العناد والخطايا، فكلا أن تكون واقعة من الله تعالى، لأنه قد نهى وتوعد العذاب ووصفه بما يحذر ويرهب منه، فأنى يكون مع ذلك تخلية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت