فالجواب: إنا وجدنا ذلك لأن الله عز وجل، أخبر عن قوم نوح عليه السلام: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} فذمهم بذلك، فدل ذلك على أن نوحًا عليه السلام كان يدعوهم إلى أن يؤمنوا له فيمتنعون، ولولا ذلك لما جادلوه بأن يقولوا له: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} ، ولا ذم الله تعالى ذلك منهم إذ قالوه.
وهكذا قوم موسى عليه السلام: {فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} فدل ذلك على أن موسى وهارون عليهما السلام كانا يأمرانهم أن يؤمنوا لهما.
وإذا ثبت هذا في غير شريعتنا، وكانت الشرائع كلها متفقة على أنهما أعمال وقع التعبد بها، صح أنا من حيث أمرنا بها مأمورون بالإيمان لنبينا - صلى الله عليه وسلّم -.
فصح لنا ما قلناه من هذا الوجه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن معنى قولهم: «أنؤمن لك، أنؤمن بك، وكذلك معنى أنؤمن لبشرين مثلنا، أنؤمن ببشرين مثلنا» !
قيل: ليس كذلك! لأن قوم نوح لما قالوا: «أنؤمن لك» ، وصلوا ذلك بقولهم: «واتبعك الأرذلون» ، فدل على أنهم أرادوا بقولهم، أنؤمن لك.
أنقبل عنك ونتابعك ولا نرى أحدًا اتبعك إلا الأرذلون لنكون أسوة الأراذل، وإنما نحن أماثل.
وكذلك قوم موسى لما قالوا: «أنؤمن لبشرين مثلنا» وصلوا ذلك بقولهم {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} ، فدل ذلك على أنهم أرادوا: نلتزم طاعتهما فنكون قد عبدنا أنفسًا لهما وقومهما لنا عابدون.
فنحول الذلة عن قومهما إلى أنفسنا، والعز والرفعة عن أنفسنا إليهما وإلى قومهما.
ولو كان المراد نفس التصديق لم يلق أن نعتذر من التأخر عنه بما حكى الله عنهم، أنهم قالوا: لا في الطباع والعادات ولا في قياس النظر، لأن اتباع الأراذل رجلًا لا يجعل أن يكون صادقًا في قوله، ولا العبودة تجعل أن يكون العبد صادقًا في قوله.
فأما الاعتذار من ترك الطاعة والانقياد بمثل ما ذكر فلائق بما في الطباع، وإن كانت الشرائع لا تسوغه.
فيثبت أن المراد بالاثنين ما قلنا، وفي ذلك ثبوت ما وصفنا.
وبالله التوفيق.
وجواب آخر: وهو أنا وجدنا في الكتاب والسنة إيجاب العمل والندب إلى أعمال.
ووجدنا في اللسان أن اتباع الأمر إيمان للأمر.
فعلمنا بذلك أن الأعمال التي أمر الله جل وعز بها طاعة له، والفرق بين الإيمانين قد مضى ذكره وتقريبه والله أعلم، وبه العصمة والتوفيق.