ووجه آخر: وهو أن الله - عز وجل - قال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} ، فقابل - عز وجل - بين ما حببه إلينا وبين ما كره إلينا، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب، وقابله بالكفر والفسوق فيما كره، فدل ذلك على أن للإيمان ضدين، أو أن من الإيمان ما نقيضه الكفر، ومن الإيمان ما نقيضه الفسوق، وفي ذلك ما أبان أن الطاعات كلها إيمان، ولولا ذلك لم يكن الفسوق ترك إيمان، والله أعلم.
ووجه: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» ، ولا يخلو أن يكون أراد بذلك: أن تعاطي هذه الفواحش ترفع الإيمان، وأما ما أراد من ذلك، فإن كنا لا نقول بالأول فقد ثبت أن التعفف عن الفواحش إيمان.
(ذكر الأسئلة والاعتراضات)
فإن قيل ما أنكرتم أن الأعمال كلها ما خلا الاعتقاد والإقرار ليست بإيمان، وبينها في كتابه فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فثبت بذلك أن الأعمال ليست بإيمان؟
فالجواب: أن الله - عز وجل - كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ، فلذلك قال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} ، ولم يدل ذلك على أن التواصي بالحق وبالصبر ليس من الأعمال الصالحة، فكذلك قوله عز وجل: {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وقد قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنَزلَ مِن قَبْلُ} ، فأثبت لهم الإيمان مطلقًا أولًا، وناداهم باسمه ثم أمرهم بالإيمان بالرسل والكتب، ولم يدل ذلك على أن الإيمان بالرسل والكتب ليس بالإيمان الذي لا تمام للإيمان بالله إلا به، فكذلك قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بالإيمان الذي لا كمال للاعتقاد والإقرار إلا به.
وقد قال عز وجل: {مَن كَانَ عَدُوًّا للَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} .
ولم يدلك فضله بينهما وبين الملائكة في الذكر، على أنهما ليسا بملكين، فكذلك لا بد فضله - عز وجل - بين عمل الصالحات وبين الإيمان، على أن العمل الصالح ليس بإيمان، ثم المعنى في ذلك، والله أعلم، أن الذين آمنوا أقل الإيمان وهو الناقل عن الكفر والمخرج منه، ثم لم يقتصروا عليه، ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها، حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل، كما يقال: أن من صلى وأطال القنوت والقراءة واستكثر من الذكر فله كذا، فيراد بمن يصلي: من حصل الأركان التي لا أقل منها، وبما وراء ذلك، من ضم إليها من نوافل الخير ما يقع منه مع غيره صلاة فيكثر ذلك الخير بها، ويفضل ويشرف.
أو يقول: أن المراد بالذين آمنوا، الإيمان بالله وبعمل الصالحات، الإيمان لله، والإيمانان متغايران، فلذلك سميا باسمين ليدل بالتفريق بينهما، والاسم على تغايرهما.
وقد مضى بيان هذا المعنى.