(فصل)
إن سأل سائل عن معنى ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» .
قيل له: هذا حديث رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابنه عبد الله يزعم ولما بلغ عائشة رضي الله عنها قولهما، قالت إنكم لتحدثون من غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطيء، أن الله أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه وفي رواية أخرى قالت عائشة: إنما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - على يهودية فقال: «إنكم لتبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها» ولكن للحديث وجوهًا إذا حمل عليها خرج خروجًا حسنًا.
ولم تقع ضرورة إلى تغليظ عمر وابن عمر مع فضلهما وكبر محلهما، أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بأن يناح عليهم إذا ماتوا وتذكر أحوالهم ومقاماتهم، فكان إذا مات أحدهم بكى عليه أولياؤه، وأقاموا عليه النوح، يذكرون أعماله وعاداته، وحروبه وركوبه المحارم من النساء، وغيرهن، فقل إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» إذ بكاؤهم عليه بوصيته وعلى الوجه الذي بينته.
وقيل قد يجوز أن يكون الميت قد استحق عذابًا بذنوبه غير أن الله تعالى قضى أن أهله إن بكوا عليه عذبه بذنوبه، وإن تركوا البكاء عليه ترك تعذيبه ثوابًا بصبرهم، ويبلغ النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» حتى إذا سمع أهل الميت هذا وعرفوه تركوا البكاء عليه وارتدعوا كما يكون سبقًا لإيصال العذاب إليه.
ويقال يعذب ببكاء أهله عليه، وإن بكاؤهم عليه إن لم يكن مؤمنًا لتعذيبه، فقد كان سببًا لتعذيبه بذنبه، فيجوز في الكلام أن يقال عذب ببكاء أهله وهذا التأويل يليق بالمسلمين خاصة، لأن الله تعالى يترك تعذيب الكافر بصبر أهله عليه عن البكاء عليه، ولا يعرض أهل الكفار أيضًا من صبرهم إن لا يعذب ميتهم.
وقيل: المعنى أن المحتضر إذا رأى أهله يبكون عليه البكاء المفرط، فأعجبه ذلك منهم فسكت وأراد أن يكون منهم ذلك بعد وفاته عذب بعد الموت ببكاء أهله لأنه كان علمه منهم، فلم ينههم عنه ليثيبوا عليه رضاء منهم بصنيعهم، وقد كان قيمهم وصاحب أمرهم فكان عليه زجرهم عما لا يجوز، فلما لم يفعل، قالم ذلك مقام الآمر به، فلذلك عذب.
وقيل: سواء كان المعنى هذا، والوصية بالندبة والنياحة، فليس في هذا الحديث إلا أنه يعذب ببكاء أهله عليه، وليس فيه متى يعذب فقد يجوز أن يكون المعنى يوم القيامة، وليس يجب البحث عن معنى هذا الحديث للوقت.
فإن التعذيب في القبر ليس بمستنكر.
وقد جاء في اليهودية أنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها، وإنما يجب الوقوف على معنى تعذيب الميت ببكاء الحي عليه.
وقد ذكرنا من ذلك منا ما فيه الكفاية وبالله التوفيق.