وقد ضرب بعض العلماء الآيات: أن التصديق قد يكون بالفعل كما يكون بالقول مثلًا.
فقال: لو أن رجلًا قال لرجل في يوم تسفر السماء فيه مصحية والشمس طالعة.
أنا نظر الساعة فقال الآخر: صدقت فسميناه مصدقًا.
ولو أنه بعد قوله قام يجمع ثيابه ويكنس سطحه ويفتح مجاري الماء لما عد الصلاة هذه الأفعال دون قوله صدقت.
بل أجروه مجراه وجعلوه تصديق مثله.
فإن هذا على أن كل ما كان من إجازات التصديق بالله تعالى فهو إيمان كالإقرار والله أعلم.
قيل: الرجاء يوقع الخير من الله تعالى للعلم بأنه بيده لا مالك له غيره ولا مانع لما أعطاه ولا معطي لما منع، وضده صرف الأهل عن الله تعالى.
أما التكذيب به أو بأنه الرزاق والمعطي والمانع والمدبر والمقدم والمؤخر، والرجاء على الوجه الذي ذكرت إيمان، واليأس على الوجه الذي وصفت كفر، فقال الله - عز وجل - حكاية عن يعقوب - صلى الله عليه وسلّم: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .
وأما إذا كان اليأس على وجه الاستبعاد للمأمون، وترجح أنه لا يكون، على أنه يكون في النفس فذلك خطأ وضلال.
وقال الله عز وجل: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} .
ويدخل في الرجل يسرق على نفسه، وينهمك في المعاصي ويغرق في الذنوب ثم لا ينزع عنها ولا يتوب ما يطأ من أن تنفعه التوبة مع عظم ذنوبه وطول أيامها فهذا مثل جهل وخطأ، لأنه لو لم يكن في النزوع إلا قلة الذنوب لكان ينبغي له أن يختار على التمادي والإصرار فكيف وفيه تمحيص ما مغني وتكفير؟
وفي هذا يدل قوله عز وجل: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .
ويدخل فيها الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها.
قال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، أي لا تستبعدن مع علمك بقدرته أصلًا.
وبالله التوفيق.