فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 1217

فأما قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان» ، لأن المعنى لو كان غير هذا لم يظهر مقدار المنقوص ولو يعلم أن القيراطين كم ينقصان، وإذا كان المعنى ما ذكرت، فإنما هو محرم لأجل هذه السيئة بعض ثواب عمله.

ولسنا ننكر جواز أن يحرم الله تعالى على المؤمن بعض أجزاء عمله، ويقلل ثوابه لأجل سيئة أو سيئات تكون منه، وإنما أنكرنا قول من يقول: إن السيئة تحبط الطاعة أو توجب إبطال ثوابها أصلًا، وذلك لم يأت به من الله تعالى ولا من رسوله - صلى الله عليه وسلّم - خبر، ولا يمكن أن تكون ماء شرب الخلود للمؤمنين في الجنة والله أعلم.

فإن قال قائل: فما تقول في المؤمن إذا خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا!

قيل: أمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء أدخله النار وعذبه بسيئته، ثم أخرجه إلى الجنة فأثابه بإيمانه والصالح من عمله، وإن شاء حرمه من جملة ثواب الصالح من عمله، ما يكون كفء للعقاب الذي استحقه، فكان ذلك جزاءه، ووقاه به عذاب النار، وليس يمكن أن يقطع من هذه الوجوه بشيء، وبالله التوفيق.

وبان ما ذكرنا أن الإيمان لا ينقص بالإطلاق من هذين الوجهين، وأن نقصان الإيمان أن يتجرد عن الأعمال التي يقتضيها وفيها تحقيقة، ولو وجدت لكان زائدًا متكثرًا بها، فهو نقصان إضافة تجرده عن فروعه إلى حال إيصال فروعه به، وهو نقصان بإضافة الإيمان، من كان هذا صفاته إلى الإيمان من اتصلت فروع إيمانه به، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم: «أن المرأة تكون ناقصة من أنها تجلس نصف دهرها لا تصلي» وذلك على معنى أن صلاتها تنقص في العدد عن صلاة الرجل، فعلمنا أن نقصان الدين ونقصان الإيمان إنما يكون بتكامل عدد شعبها وتناقصه، إذا كانت سيئاته الكثيرة لا توازي تبعاتها ثواب حسنة واحدة من حسناته، لم يكن ميزانه إلا ثقيلًا، ولم تكن حسناته إلا أكثر بكثرة ثوابها وأربابه على تبعات سيئاته، فلا معنى للوزن إذًا!

فالجواب: أن الميزان الثقيل الذي وصفه الله تبارك وتعالى هو ميزان المؤمن الذي يوافي القيمة بلا كبائر، أو تائبًا من الكبائر إن كانت له، فهذا الذي قابل الله تبارك وتعالى بينه وبين الكافر، فميزان الكافر يخف، لأنه إذا وضع كفره وفروع كفره في كفه، لم توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فيقع الارتفاع.

وميزان المؤمن الذي وصفناه يثقل لأنه إذا وضع إيمانه وفروع إيمانه في كفة، لم توجد كبيرة توضع في الكفة الأخرى، فيثقل بالخير ميزانه.

كما خلا من الخير للكافر ميزانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت