فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 1217

وأما قول الله عز وجل: {لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} .

قد يخرج على غير ما قاله المحتج به، وهو أن يكون المعنى: لا تحملنكم أيها المهاجرون هجرتكم معه، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيعوا حرمته وترفعوا أصواتكم فوق صوته.

فتكونوا بذلك صارفين ما تقدم منكم من الهجرة أو الإيواء أو النصرة، فمن ابتغاء وجه الله به إلى عرض غيره ووجه سواه، فلا تستوجبوا مع ذلك أجرًا.

ويخرج على وجه آخر وهو أن يقال: لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، فإن ذلك قد يبلغ حد الإزراء به والاستخفاف له، فتكفروا وتحبط أعمالكم، إلا أن تتوبوا أو تسلموا.

وكذلك قول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} .

فليس على: أن المن يحبط الصدقة.

فيجب على قياس ذلك: أن ضرب المتصدق عليه ـ ظالمًا له ـ حبطت صدقته، وإنما وجهه: أن الصدقة يبغي بها وجه الله، وهو المأمول منه ثوابها.

فإذا منّ المتصدق على السائل وأذاه بالتعيير، فقد صرفها عن ابتغاء وجه الله بها إلى ما يؤذي به السائل، فحبط أجره عند الله تعالى، لهذا وصل عند المتصدق عليه مع ذلك لأنه إن كان حياه فقد آذاه، وإن أعطاه لقد أجزاه.

ولو كان ذلك على معنى إفساد الطاعة بالمعصية، لم تختص بالبطلان صدقته ويحبط من جملة طاعاته جزء غير معلوم العباد، فإن الرجل لو أعتق عبدًا ثم قتله، أو قطع من أطرافه طرفًا، لم يحبط ـ عند قائل هذا القول ـ عتقه بعينه، وإنما يزعم أنه من يحبط من طاعاته شيء غير معلوم عندنا.

وهكذا لو تصدق على محتاج بصدقة، ثم ضربه أو جرحه، لم يقل أن صدقته بعينها هي التي تحبط فلما أحبط الله - عز وجل - الصدقة الماضية بالمن والأذى، علمنا أن وجه إبطالها ما ذكرنا، والله أعلم.

فهذا ما يدخل هذا، وأما الوجه الآخر: وهو أن الحسنات يرتهن بتبعة السيئات فيخرج المخرج من ثواب إحسانه ما يوازي تبعة سيئته، وقد يمكن أن تحبط السيئات بالحسنات أصلها وفرعها فلا يبقى للمؤمن عند الله ثواب.

فإن من الطعن على هذا القول ما يشمله والذي يقدمه وهو أن سيئات المؤمن متناهية الجزاء، وحسناته ليست بمتناهية، لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، وما دام خالدًا فيها فلا يخلو من التنعم بها والتقلب في نعيمها، وإنما يكون الجزاء بالحسنة عشرًا أو أكثر، من طريق أنه يكون له في نفسه مقدار مقدر، إلا أن ذلك المقدار يكون دائمًا لا يسلم إليه جملة وقتًا واحدًا، ثم لا يعاد له، كضيف تقدر له في اليوم والليلة أشياء معلومة إلا أنه تكون له جارية ما دام نازلًا من أضيافه، وإذا كان كذلك لم تبلغ السيئات ـ وإن كثرت ـ أن تحبط بثواب حسنة واحدة من حسنات المؤمن، فضلًا عن أن تحبط بجميعها، لأن الخلود لا غاية له، فلا يتوهم أن تكون البيعة المتناهية التي يستحقها المؤمن بسيئته تأتي على ثواب حسنة لا نهاية له، فيصح أن هذا من القولين، في أنفسهما باطلان، فلا إحباط حسنة فضلًا عن حسنات جائز بسيئة أو بسيئات، ولا أخذ ثوابها كله عن بيعه سيئة أو سيئات يقبل أو يستقيم.

فصح أن الإيمان لا ينقص من طريق إحباط الحسنة بالسيئة، ولا ينقص من ميزان المؤمن أصلًا بذهاب جميع ثوابها منه.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت