وأما من ولي من أصحابنا من أن الإيمان قد ينقص حتى لا يبقى منه شيء، بمعنى أن المعاصي تحبط ثواب الطاعة بعد الطاعة حتى يخلص الأمر إلى ثواب الإيمان، فلا يزال ينقص منه شيء بعد شيء حتى لا يبقى مما يحيط ثوابه منه إلا قدر برة أو قدر شعيرة أو قدر خردلة أو قدر ذرة، فإنه يقول: المراد بالحديث «يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان» .
أو شيء لم تحبط المعاصي ثوابه، وإن كان ذلك بقدر ذرة أو خردلة، ولا يخلد في النار من كان بهذه الصفة.
وفي هذا دلالة على أن الطاعات من الإيمان وأن المعاصي تحبط ثوابها إذ كان الحديث لا يخرج إلا على هذا المعنى.
قيل: لا، وليس تخصيص الذي بقي في قلبه قدر ذرة وخردلة من الإيمان بالذكر، ما يمنع من أن يكون الذي لم يبق في قلبه إيمان إلا وقد أحبط المعاصي ثوابه غير مخلد في النار ولكن هذا إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة بالشفاعة، فيكون ذلك إحسانًا يبتدأ به لا ثوابًا.
والذي في قلبه شيء من إيمان لم يبطل ثوابه إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة لثبات بإيمانه والشفاعة إن وقعت به قليلًا، يعذب أو لينقص عذابه، فهو فرق ما بينهما والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون معنى الحديث أن من أتى مثقال حبة من خردل من خير بعد الإيمان، ولم يكن خير غير ذلك أخرج من النار بالشفاعة، وإذا لم يكن له خير قط، فالله تعالى يتفضل عليه بالعفو ولا يجعل لأحد فيه شفاعة لأن التوحيد اعتقاد فيما بينه وبين ربه فهو الذي يتفضل عليه بالإخراج من النار.
فيقال له: إنك قد أتيت الخير بعد التوحيد إيمانًا، ولا تشعر لأن الحديث خائضًا في مثقال ذرة من الإيمان.
فقلت معناه: خير كسبه بعد التوحيد، فأوجبت بذلك أن يكون الخير بعد التوحيد إيمانًا، ومع هذا فكلامك غير صحيح، لأن الحديث اقتضى الإيمان الذي يكون بالقلب فعلم أنها غير مرادة بالحديث وقوفك بين من يعفى عنه بلا شفاعة.
وبين من لا يعفى عنه إلا بشفاعة، نادر غريب لأنك جعلت أحوج الرجلين إلى الشفاعة وأبعدها من استحقاق الفضل خارجًا من أن تكون له الشفاعة لاحقًا بمن يبدأ بالفضل والإحسان بلا مسألة، وأدناها إلى الفضل أبعدها منه، وأولاها بأن لا ينال خيرًا إلا بالشفاعة، وهكذا يكون حال من يبغي ما ليس له، والله أعلم.
قال الرجل: فإن احتجوا بما ذكر في القرآن من زيادات الإيمان، قيل لهم: لا حجة لكم فيها لأن الإيمان عندكم اسم لجميع الطاعات ولا سبيل إلى استجماعها.
فالإيمان على قولكم ناقص أبدًا غير كامل، فكيف يجوز أن يوصف بالزيادة عليه؟