فهرس الكتاب

الصفحة 1158 من 1217

(فصل)

وكل ما كتب في الباب الذي قبل هذا من وجوب مباعدة الكفار والغلظة عليهم، والقول في مساعدة المسلم أهل دينه بخلافه، وينبغي للمسلم أن يقارب إخوانه من أهل دينه، ويؤالفهم ويوادهم ويتحبب إليهم بكل ما يمكنه، ويبرهم ويصلهم، ولا يؤذي أحدًا منهم ولا يخرجه ولا يعتبه، ولا يخاطبه بما يكرهه، مبتدئًا إياه غاصًا به، ولا يلمزه ولا يهمزه، ولا يسخر منه، يضحك، ولا يضحك غيره منه، ولا يغتابه ولا يرضى من أحد أن يغتابه عنده، ولا يفشي له سرًا يكره أن يوقف عليه، ولا يتبع له عورة، ولا ينبزه بلقب، ولا يجانب له عبدًا ولا جارية ولا امرأة، ولا يفسد عليه حالًا صالحًا قد رضيها لنفسه، وسكن إليها قلبه، ولا يغير عليه قلب سلطان، ولا قلب من يضره بغير قلبه له.

قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} .

وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} يعني لا يلمز بعضكم بعضًا، ولا تنابزوا بالألقاب.

وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} ثم ضرب للغيبة مثلًا ينكرها به إلى قلوب المؤمنين، فقال: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} أي فكذلك فاكرهوا الغيبة.

ودلت السنة على مثل ذلك.

فجاء ما صام من أكل لحوم الناس، يعني الغيبة.

ولا ينبغي أن يدخل بيته إلا بإذنه، لأنه لا يؤمن أن يكون فيه على حال لا يجب أن يلقاه عليها أحد.

قال الله جل ثناؤه: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا} .

وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى} وهذا كله لأن كل واحد إذا كان يكره أن يدخل عليه بيته بغير إذنه، وأن يغتاب أو يتبع عوراته، أو يصاب منه شيء مما تقدم ذكره، وكانت طلوع الناس في هذه الأمور متفقة، وجب أن يعلم أن غيره يكره لنفسه، فلا ينبغي أن يقصده بشيء منها فيكون قد ساءه، وفرق بينه وبين نفسه، وإنما شرط الدين الذي يجمعهما بأن ينزله منزلة نفسه.

وينبغي للمسلم إذا دعا لنفسه بالمغفرة أو العافية، أو بسعة الرزق أو بدوام النعمة أن يدخل معه إخوانه المؤمنين في دعائه، ولا يخص نفسه بالدعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت