(باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه)
فأول ما دخل في هذا لزوم الصدق ومجانبة الكذب.
وللكذب مراتب، فأعلاها في القبح والتحريم الكذب على الله - عز وجل - ثم على نبيه - صلى الله عليه وسلّم -، ثم كذب المرء على عينيه ولسانه وسائر جوارحه، وكذبه على والديه، ثم كذبه على الأقرب، فالأقرب من المسلمين، وأغلظ ذلك ما يضر به أحدًا في نفسه أو ماله أو أهله أو ولده.
ثم الكذب الموثق باليمين أغلظ من الكذب المتجرد عن اليمين.
ويتلو الكذب في الكرهة الملق والإفراط في مدح الرجل، وأقبح ذلك ما كان في وجهه.
ويتلوه الخوض فيما لا معنى له ولا يرجع إلى الخصائص فيه منه نفع، ولا يعود عليه من الشكر ضرر.
ويتلو هذا كثرة الكلام وإطالته مع الاكتفاء ببعضه وترديده، وتكريره مع الإستغناء بالمرة الواحدة.
قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ} إلى قوله: {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} فإن الصدق يجري مجرى الإسلام والإيمان والخشوع وسائر ما ذكر معه وقال جل ثناؤه: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} فدل بهذا أن الصدق من شعب الإيمان.
لأن ذكر المؤمنين ثم الثناء عليهم بفعل كان منهم يقتضي أن يكون إستحقاق المدح بمعناها فعلهم إيمانهم.
وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} .
ينادي المؤمنين باسم الإيمان يحركهم بذلك على أن يكونوا مع الصادقين.
فإذا كان الكون مع الصادقين من الإيمان بهذه الدلالة فالأولى أن يكون الصدق نفسه من الإيمان.
وجاء في الأخبار: الكذب مجانب الإيمان، وفي هذا تحقيق ما دلت هذه الآية عليه.
وما بينته: أن الكفر كله كذب.
فثبت أنه مجانب الإيمان.
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «تمام إيمان العبد أن يصدق في كل حديث» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «إذا كذب العبد تباعد عنه الإيمان» .
وقال - صلى الله عليه وسلّم - «علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .
وهذه الثلاث إذا تؤملت كان مرجعها جميعًا إلى الكذب، وإنما يقع الفرق بينهما في أوصاف الكذب، فإن الكذب في الحديث أن يخبر الواحد عن شيء خلاف ما كان عليه.
وإخلاف الوعد أن يقول: أفعل كذا فلا يفعله، أويقول: لا أفعل كذا فيفعله.
فيغلب قوله الأول عند مخالفته إياه بفعله كذبًا.
والخيانة فيما اؤتمن عليه أن يلتزم الأمانة ثم لا يؤديها، فيصير عند الخيانة التزامه كذبًا، والكذب في قول يلزم به نفسه شيئًا أغلظ منه في وعد لا يلزم به نفسًا شيئًا.
فجعل بهذا أن علامة المنافق ظهور الكذب وغلبته على كلامه.
وإذا كان الكذب من النفاق، فقد وجب أن يكون الصدق من الإيمان.
وقد قال الله تعالى فيما وصى به نبيه - صلى الله عليه وسلّم: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} .
وذلك أن يقول الرجل: سمعت أو رأيت أو علمت، فأبان الشرع أن إطلاق شيء من ذلك دون حقيقة يتأيدها الخبر، حرام ممنوع.
وقال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} .
فأبان أن إخلاف الوعد خلاف ما يوجبه الإيمان، وإن كان نصير قول قد مضى كذبًا غير لائق بالإيمان، فابتداء الكذب أولى أن يكون غير لائق به.