وقال {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} .
فبان أن شرح الصدر بالحكم الحادث والتسليم له محتاج إليه، وإن كان التزام الإيمان بكل من يبعثه الله تعالى ويرسله قد تقدم، والله أعلم.
وأيضًا فإنه إذا ثبت إحداث القبول لما يحدث فرضه إيمانًا، وكان القبول في هذا الوقت تنفيذ الملتزم منه الفرض، وجب أن يكون تنفيذ كل ملتزم إيمانًا مثله، إذ لا فرق بين التزام قبول الصلاة إن شرعت، ثم قبولها عندما تشرع، وبين قبولها إذا شرعت ثم فعلها إذا دخل وقتها، والله أعلم.
ومما يدل على زيادة الإيمان ونقصانه قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» .
فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم.
فبعضهم أكمل إيمانًا من بعض.
فإن قال قائل: هذا من أخبار الآحاد، وكتاب الله - عز وجل - أولى منه، والله - عز وجل - يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وليس بعد الكمال شيء! فثبت أن دين الله تعالى محدود ولا يحتمل زيادة عليه، ولا نقصانًا منه؟
فالجواب: أن معنى قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد، ما لم أفرضه إلى اليوم.
ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، ولا تغليظ من الآن ولا تخفيف، ولا نسخ ولا تبديل.
وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل العلم لنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان.
لأن الذين قد كمل وليس بعد الكمال شيء وإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلًا وهو إيمان، فكذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئًا فشيئًا كلها إيمان.
والكمال راجع إلى كمال الشرع والوضع لا إلى كمال أداء المؤدين له وقيام القائمين به والله أعلم.
ثم إن في الجواب ما يشتق منه العلم بزيادة الإيمان، لأن الإيمان فرض دائم.
ولكنه لما لم يكن في الوضع استدامة عقده بالقلب والإعراب عنه باللسان، جعل ما يقع من ذلك على الصحة كالمكرر على الدوام في كل وقت ما لم يتعقب بالنقص والإفساد.
وإذا كان الدوام على الإيمان بمعنى التحديد في كل زمان، صح أن للمؤمنين في كل وقت إيمانًا وذلك يوجب أن يكون كل متقدم منه مردادًا بما يحث بعده، كما أنه إذا كانت في كل وقت صلاة، وجب أن يكون ما تقدم من صلاته مردادًا بما يعقبها والله أعلم.