فهرس الكتاب

الصفحة 884 من 1217

فإن قيل: فإن غيركم يدعي من هذا التنبيه مثل ما يدعونه لنبيكم.

فإن اليهود تزعم أن موسى أخبرهم أن شريعتهم قائمة ما قامت السماوات والأرضون؟

قيل: إنهم إن كانوا صادقين في قولهم، فإنما أراد موسى عليه السلام بما قال: التوحيد الذي أراد الله تعالى بقوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ} وإنما أراد به التوحيد، فإن الله تعالى لم يشرع خلافه ولم يرض من أخذ به وإنما شرع التوحيد وأمر به.

فإن كان موسى صلوات الله عليه يدعونه.

فإنما أراد أن شريعته وهي ملته ودينه الذي هو التوحيد لا يزال هو الدين.

وإن المجوسية والفرس لا يكونان دينًا أبدًا ولم يرد الشرائع التي تحتمل النسخ والتبديل، وما قال نبينا - صلى الله عليه وسلّم: فإنه لا يحتمل مثل هذا التأويل، لأنه ذكر أنه لا نبي بعده، لأن شريعته تدوم.

فتناول هذا التوحيد فضح أنه آخر الأنبياء كما قال وبالله التوفيق.

ويدل على أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - كان رسولًا إلى الإنس والجن، وأنه خاتم النبيين، إن الله تعالى جعل القرآن حجة له، ودلالة على نبوته، وينزل بين الجن والإنس على وصفهم على الإنسان بمثله، فدل ذلك على أن المشركين في هذا العجز مشركين في لزوم الحجة إياهم.

ولا يجوز أن تكون دعوته خاصة وحجته، لأنه لو جاز أن يكون أحد من العاجزين عن الإتيان بمثل القرآن من داخل في دعوته لجاز أن يكونوا كلهم غير داخلين في دعوته، وفي هذا إبطال أن يكون العجز الذي ذكرنا حجة على أحد.

وإذا كان هذا في زمانه إلى يومنا هذا هكذا، فهو إلى أن تقوم الساعة مثله لأنه لو كان بعده رسول لكانت رسالته لا تحيل وجود القرآن في قلوب الناس وفي مصاحفهم.

ومعلوم أنه كان لا يكون مع القرآن إلا معجوزًا عن الإتيان بمثله، لأنه لو استطاع يومئذ أحد أن يأتي بمثله لصار قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} كذبًا.

لأن الخلف إذا عرض فيه ظهر أنه يمكن من عند الله، ولأن الناس كلما تطاول الأيام عليهم ازدادت حظوظهم من اللسان العربي نقصانًا، وقلبه يدل على ذلك، إنهم اليوم فيه دون ما كانوا قبل خمسين سنة، دون ما كانوا فيه بمائة سنة.

فإذا جاء واحد منهم من الذين يأتون بعد.

وقد غلب الجهل باللسان العربي، ونقصت بلاغتهم وفصاحتهم جمل القرآن كان ذلك دلالة على أن المتقدمين كانوا على ذلك أقدر، ولكنهم امتنعوا بسبب، أو قد جاءوا بمثله، ولكنه كتم ولم يعترف به.

فإن كل واحد من هذين الدليلين يوجب أن تكون الدعوة من أصلها فاسدة لا منقطعة متناهية.

وقيل: بل هو القول يدفعه عن الرجاء له إلى العرب، فلم يكن أن يجيز واحدًا من الأمرين اللذين ذكرتهما، فبان أن رسولًا لو جاء لم يجئ إلا عاجزًا ومن معه عن الإتيان بمثل القرآن.

والإعجاز حجة النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فلم يجز بأن تكون حجته باقية ودعوته منقطعة، إذ لو جاز هذا بعد سنين لجاز في عصره وزمانه أن يكون القرآن معجزًا عن مثله، ولا يكون له مع إثباته به دلالة على دعوته، وإذا أوجب أن تكون دعوته باقية لبقاء حجته فقد بان أنه النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وإذا قال «لا نبي معي أو بعدي» صح أن الذي جاء مدعيًا أنه نبي مبطل في دعواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت