فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1217

(فصل)

وإنما حاكم نصب بين ظهراني قوم فينبغي لهم أن يسمعوا ويطيعوا ويترافعوا إليه إذا اختلفوا وتنازعوا ليفصل بينهم، وإذا فصل انقادوا لفصله، واستسلموا لحكمه، قال الله - عز وجل - {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} .

وقال فيما ذم به قومًا امتنعوا من الحكم: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

وقال على أثر هذا فما مدح به المحبين إلى الحكم إذا دعوا إليه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون} .

وقال: {اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} .

فينبغي للمشارعين أن لا يرتفعوا للفصل بينهم إلا إلى حكام المسلمين، وإذا ترافعوا أن يسمعوا ويطيعوا أمره ويقبلوا حكمهم.

وإذا ارتفع أحد المشارعين إلى حاكم وسأل إحضار خصمه، فدعاه أن يجيبه ولا يتمرد عليه.

وإذا حضره سمع الحاكم كلامه أن لا يخرج ولا صاحبه من أمره، فإنهما عصاة، فإنما يعصي ربه عز وجل.

وللحاكم أن يؤديه بما يؤديه اجتهاده وأيما حاكم أو والي، دعا رجلًا من رعيته ولم يعلم لما يدعوه، فعليه إجابته.

وإن علم أنه يدعوه لدعوى وقعت عليه من مدع، فإن كان ذلك المدعى حضر مع رسول القاضي فأرضاه، سقط الذهاب إلى الحاكم عنه، وإن كان لم يحضر ولا وكيل أو نائب في قبض الحق عنه فليذهب وليجب ولا يسعه التخلف مع ترك الدفع إلا في حالة واحدة، وهو أن يكون المدعى كاذبًا وقد أعد شهودًا زورًا، ولا يتأتى له أن يجاهر بحرجهم ولا يجد من يبوح بذلك، ويصرح به في وجوههم، ولا يقدر على دفع لشهادتهم ولا مخرج منها.

فيخشى إذا حضروا أقيمت الشهادة عليه أن يحبس ويؤخذ منه المال قهرًا ويفرق بينه وبين امرأته، وبينه وبين جاريته، فينتزع منه.

فله في هذا الحال أن يهرب أو يتوارى أو يخفى ماله وما يدعى قبله، فلا يقدر عليه، وهذا موضع عذر وضرورة، فلا يقاس عليه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت