فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 1217

إلا أنه يتحرى في كل ذلك يكون قصدًا لا طغيان فيه ولا اختيال.

ويقتني من الخدم من تقع له الكفاية ويعد لنفسه ولهم الأسلحة والدواب، ويحلي مراكبه بأدنى ما يعرف به تجملًا، وكذلك سيفه ومنطقته، ويقيم لخدمه معايشهم، ويزيح فيما يحتاجون إليه عللهم وإن اقتنى أحرارًا يعملون له بالأجرة فذلك جائز، وإذا كان هذا هكذا، فينبغي له أن يتخذ دارًا تسعه وخدامه وخزائنه التي يخزن فيها وأسلحته، وحارسًا، إن كان له، وأن يرتب بالباب من لا يدخل عليه في غير وقت البروز للناس إلا بإذنه وهذا كله من بيت المال، وإذا قام بحفظ المسلمين وقصر أيدي العدوان بعضهم عن بعض وتعهد السبل ونقصها عن الدعاء والجواب، ووفى المسلمين كل حق يلزمه لهم لأنه العامل لهم، وما يأخذه فمنزلة الأجر، وإنما يستحق العامل الأجر إذا وفى العمل.

فإن قيل: إن الذي كتبتموه من وظائف الإمام يخالف المعهود من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وخلفائه الراشدين لأنهم لم يبسطوا في مال المسلمين هذا التبسط، فهلا قلتم إن سئل الأئمة أن يقتصروا على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وخلفائه أنهم اقتصروا عليه؟

فالجواب: لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ساس الناس بسلطان النبوة وكان الله - عز وجل - أخبره أنه يعصمه من الناس وألهمه الرأفة والرحمة بأمته، فكان يحب السكينة تواضعًا لله - عز وجل - وتسلية للمساكين، حتى إذا نظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وهو يكابد مثل ما يكابدون خف عنهم ما يجدون، وطابوا نفسًا بما يلقون، وكانت هيبته ممكنة في صدور الناس متسلطة على نفوسهم بمجرد ما كان مقدر من مكانه ومنزلته عند الله تعالى، ويخشوه من وجوب النار عليهم إن عصوه وازدروا أو ضيعوا حقًا من حقوقه فلم يؤدوه.

فلم يحتج مع ذلك كله أن يحمل على أعينهم بشيء مما سبق ذكره.

ولا أن يكثر بمتاع الدنيا مع علمهم بتوفر حظه من نعيم الآخرة.

وأما ولاة الأمر بعده فلم يحتاجوا إلى التكليف الذي وصفناه لقرب عهد الناس بزمان النبوة ولأن تلك الرعية لم تكن شاهدت قبل ذلك سلطانًا مباينًا للعامة في نفسه وحاله وطعامه ولباسه وفرشه وآلاته، فيحتاج ولاة أمورهم لذلك إلى أن يتكلفوا في هذه الأبواب، ما يضاهي حال من شاهدوا خيلًا توازي لهم رعاياهم، فلا يصير ذلك سببًا لفروغهم من طاعته واتباع أمره وإنما كان أمرًا مستأنفًا والحال غيره، ويستوجبه إلى الزيادة على ما كانوا عليه، فلما تبدلت العادات، وصار الإمام محتاجًا إلى سياسة الرعية بأكثر مما كان أولئك يسوسونهم كما ساسهم النبي - صلى الله عليه وسلّم - بالهيبة، ثم أبو بكر رضي الله عنه بالكلام، ثم عمر رضي الله عنه بالدرة، ثم عثمان رضي الله عنه بالسوط، ثم علي رضي الله عنه بالسيف، فكذلك لما تفاقم الأمر بعد وأثناء أداء الشغل، فاحتيج إلى أن يسوس الإمام الناس بالإنقباض عنهم وترك التواضع والتطاعن لهم، وكان ذلك لا يكون إلا بالإرتفاع في المطعم والملبس والمسكن والمركب عن حد ما يسمونه، فله أردناه أو صنعه كان له من ذلك ما لا يجحف بمال بيت المال، ولا يلتحق بحدود السيف والطغيان.

وأما ولاة الإمام بقدر كفايتهم من بيت المال كما يراه ويؤديه إليه اجتهاده والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت