فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 1217

ومن قوله عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} .

ومن قوله عز وجل: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} .

فإذا جاز أن يكون الله قد شبه الكفار، وإعراضهم عما يسمعونه ويرونه من آيات الله وبيناته ونزولهم منزلة من لا يسمع دعاء، ولا يرى آية ولا يعقل حجة مقبولة المعلول، الممنوع بعله، يراود عنه مما يمتنع العل عن مثله.

فكذلك يجوز أن يكون تصفيد الشياطين عبادة من قلة تمكنهم في هذا الشهر من هذا الناس عن الطاعات وإغوائهم بالمعاصي والسيئات والله أعلم.

وقيل: إن ذلك حقيقة وليس بمثل، والمعنى أنه حال بينهم وبين السلطان الذي لهم على نفوسهم اليأس في هذا الشهر بأصفاد تليق بهم، فلا يتهيأ لهم معه الخلوص إلى النفوس، وإحضار الفساد للقلوب، وأن اجتماع المسلمين على الصلاة والصيام في الشهر مع تكاسل بعضهم على الصلوات المكتوبات في غيره، والسماحة بالصدقات مع التحل بالزكاوات فيما سواه.

والإقبال على القرآن مع التغافل عنه في أكثر الأوقات، والميل إلى مجالسة أهل العلم ومساءلتهم هذا الإعراض عنه، وترك الاشتغال به من قبل، وتركهم شرب الخمور مع الحرص عليها طول السنة، ليس الانقطاع مكائد الشيطان عنهم، ولا ذلك لم يكونوا في هذا الشهر إلا كما يتكاسلوا عن الصلوات في أوقاتها.

فإن صيام يوم من أوله إلى آخره أشق من ركعتين أو أربع ركعات، فلما كان ذلك لا يقع منهم، علمنا أن الشياطين قد سمعوا عنهم، فمن ذلك ينتشروا للطاعة والعبادة والله أعلم.

فإن قيل: ليسوا مع ما وصفتم لا يخلون من وجوه من المناكير، والعظائم منهم، نحو قطع الطريق، وقتل النفوس والرق، فهلا علمتم بذلك أن الشياطين غير ممنوعين عنهم إن كانت هذه المعاصي لا تقع من الناس إلا باعوا الشياطين.

فالجواب: أن الشياطين وإن صفدوا في هذا الشهر، فإن الإناء التي علقت بنفوس الصائمين من تسويل شر لهم، وتحبيب باطل إليهم لا يخلع عها بتصفيدهم، ولا يفارقها بل يلزمها فيكون بحالها وجود ما ذكرتم لها ومن قبلها.

فأما حدوث مادة جديدة لشر مستأنف لم يكن خطر بالقلب قبل الشهر ولا تتهيب النفس عليه.

فهذا لا يكون في الشهر.

فإن قيل: وماذا يعني تصفيدهم في الشهر إذا كانوا قد قدموا من الإناء ذي الفتحة، ما لزمت نفوس الآدميين، فصاروا يعملون بها في الشهر مثل ما يعملون بها في غيره.

قيل: إن تلك الآثار تزداد بانقطاع المواد عنها ضعفًا ورضاء، ولولا ذلك لكان الناس كلهم في الشهر، كما يكونون قبله أو بعده.

وليس كذلك بل تباين أحوالهم في غيره مباينة شديدة.

ثم المكائد المبتدأة لا تقع أصلًا، فلا يحل التصفيد من أن يقع ويفيد وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت