(فصل)
فإن قالوا: لا يجوز أن تكون طينة العالم إلا قديمة لأن حدوث شيء لا من شيء، مستحيل في العقل!
فيقال لهم: إن كان ذلك مستحيلًا في عقولكم، فليس بمستحيل في عقول عالم من الناس مثلكم، أو أكثر منكم.
فكيف صارت عقولكم عيارًا على عقول غيركم دون أن تكون عقول غيركم عيارًا على عقولكم! وقد أجيبوا أن الحادث القديم قسمان يخرجهما العقل عند تقسيم الموجود وكتخريجه الموجود والمعدوم والجائز والممتنع والحسن والقبيح.
فكما أن حقيقة كل من ذلك ثابتة لا تدفع، فكذلك الحادث والقديم لا تدفع حقيقته واحد منهما فلا يحال وجوده.
فإذا كانت حقيقة القديم الموجود لا عن أول كانت حقيقة الحادث الموجود عن أول، فوجب أن لا تدفع حقيقة الحدث عن بعض الموجودات، ولا يقال لا حادث، كما لا يقال لا موجود أو لا معدوم، أو لا حسن، أو لا قبيح، أو لا جائز، أو لا ممتنع.
فصح بما ذكرنا أن الحدوث ليس بمستحيل في الفعل إذا كان العقل قد خرج في مقابلة القدر، ولا جائز أن يثبته بما يمنع منه ويدفعه.
وقد أجيبوا بأن حدوث الشيء لا من شيء إن كان غير جائز، فلسنا نقول إن شيئًا حدث بنفسه لا من شيء، بل نقول إنما حدث بمن يحدثه، لأنه أحدثه محدث وأوجده موجد، وأكد هذا على من أقر بالله جل ثناؤه، وأنكر الاختراع بأن الله جل ثناؤه لو كان لا يقدر على أكثر من تركيب الجسم من جواهر موجودة لكان ذلك نقصًا به وعجزًا، لأن منزلته لا تعدوا في التركيب منزلة الناس.
وكان فضل ما بين تركيبه وتركيب الناس، كفضل صناعة الصانع على صنعة النجار، وفضل صنعة الرفاء على صنعة الخياط، وفضل صنعة الخباز والطباخ على صنعة من يجمع شيئًا إلى شيء بلا تأليف أو تركيب وذلك غير جائز.
فصح أن لا يحتاج في الخلق إلى مادة تكون حاضرة فيركب منها جسمًا، لأن الحاجة نقص، وشيء من النقائص غير جائز عليه وبالله التوفيق.
ويقال لهم: ليس في إبداع شيء لا من شيء إلا ما في تركيب الجواهر من غير مماسة إياها، وذلك ليس يستحيل في العقل.
فما أنكرتم أن الإبداع ليس بمستحيل فيه.
ويقال لهم: إذا جاز أن تركيب الباري جل ثناؤه الجواهر بلا مماسة، لأنه قادر لا بسبب، فلذلك يفعلها ويوجدها عن عدم لأنه قادر لا لسبب، ولا يلزم على هذا المحال الذي لا يجوز وصفه لمقدور، لأن ذلك إنما استحال لتناقضه، ولا تناقض في وجود الجوهر بعد عدمه.
فصح أنه يجوز أن يكون مقدورًا بلا مماسة.
ويقال لهم: الموجود الحي العالم القادر لا لسبب ينيل غير الموجود وجودًا، فلا يستحيل، كما أنه ينيل غير العالم علمًا، وغير الحي حياة وغير القادر قدرة، بل ذلك أولى، لأن الإيجاد أخص بالموجود من العلم والأحياء والأقدار، وإذا جاز عليه إيجاد العلم أو القدرة أو الحياة لغيره، لأنه مع هذه الصفات موجود لا لسبب كان إيجاده الوجود لغيره مثل ذلك أو أجوز وبالله التوفيق.