(فصل)
قالوا: إن كان الملك ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلّم - في صورة إنسان، أفكان هو الذي ينقلب في صورة البشر؟
قيل: كلا، بل الله - عز وجل - كان يغير صورته، لا يقدر على ذلك أحد سواه كما لا يقدر على خلق الإنسان من التراب، ثم إعادته ترابًا.
فأما هو جل ثناؤه فلا يعجزه شيء وهو على ما يشاء قدير.
(فصل)
قالوا: وكيف يعلم الذي ينزل عليه الملك أن الذي يراه ملك، وليس بإنسان؟
قيل: يجوز أن يعلم النبي بها أنه ملك وليس بإنسان، وهكذا القول في موسى عليه السلام حين يسمع النداء، قد يجوز أن يكون علم أن الله تعالى يكلمه ضرورة، ويجوز أن يكون برق بإلهاب النار في شجرة خضراء من غير أن تحرقها، أو تغيرها عن حالتها، وذلك أمر يخالف العادات، إن الله تعالى هو الذي يكلمه، وهذا القول من الملك نفسه، إذا بعث إلى أحد من البشر، قد يجوز أن يعلم أن الله تعالى هو الذي يأمره ويرسله ضرورة، ويجوز أن يعلم ذلك بأنه ينصها الله تعالى فيستدل بها على أنه مبعوث مأمور وبالله التوفيق.
(فصل)
قالوا: رويتم أن نبيكم كان يغشى عليه عند نزول الوحي عليه، فالمغش عليه لا يدرك شيئًا من المحسوسات ولا من المعقولات، فكيف كان يرى الملك ويمييزه ويتلقى عنه ما يكلمه به.
(فصل)
قد قال بعض العلماء: إن الله تعالى كان يعرفه الوحي في تلك الحال تميزا له عمن ليس بنبي، فكان إحدى الكرامات والمعجزات، وقد يجوز أن يكون عقله لم يكن فارقه، فإني لا أحفظ فيما جاء من الحديث أنه كان يغش عليه، وإنما فيه: إنه كان يثقل وتأخذه البرحاء، فقد يجوز أنه كان يتغير عن حاله المعهود تغيرًا شديدًا، ولكن العقل لم يكن يفارقه وبالله التوفيق.
ذكر فصول في الإيمان بالرسل:
إن سأل سائل: عمن آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلّم -، وقال لا أدري، أكان من البشر أو كان ملكًا أو كان حسًا، أيكون مؤمنًا به؟
قيل له: أكان القائل هذا لم يسمع إخبار الله تعالى عن محمد بأنه بشر مثل قومه، وإخبار محمد - صلى الله عليه وسلّم - نفسه، وإخبار الناس عنه، وذكرهم نسبه وشمائله ونعوته، فلا وقف على شيء مما ذكرنا لم يضره الجهل بحاله شيئًا، كما لو عرف بأنه من البشر، ولم يسمع بأنه كان من العرب أو العجم لم يضره ذلك شيئًا، وكذلك لو لم يعلم أنه كان شابًا أو شيخًا أو مكيًا أو عراقيًا لم يضر ذلك إيمانه نبيًا وحجته أنه أيًا ما كان إنما يظنه به، فقد يصلح لأن يكون رسولًا، فلم يوجه الجهل بالحق من ذلك إلى الجهل برسالته ونبوته وفارق ذلك أن تقول: آمنت بالله، ولا لتدري أجسم هو أو غير جسم؟ لأن الجسم لا يجوز أن يكون إلهًا، إذ الجسم هو المؤلف، والمؤلف يقتضي مؤلفًا، وما كان محلًا للأعراض قابلًا للأفعال لم يكن قديمًا، ولم يجز أن يكون إلهًا، فلذلك لم يثبت الإيمان بالله مع الشك في أنه جسم أو غير جسم والله أعلم.