فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 1217

(فصل)

وإذا كان في البلد علماء فأي واحد منهم جاءه سائل فسأله عن علم عنده، ليتعلمه فينبغي له أن يخبره به، ولا يكتمه.

ولا يجوز له أن يقول: سل غيري، فإن عنده من العلم مثل ما عندي، فإن طلب العلم وإن كان في نفسه فرضًا على الكفاية، فإن الذين حملوا العلم يلزم كل واحد في عينه، إذا ما عنده منه، إذا سئل عنه، كما أن الناس إذا دعوا إلى حمل الشهادة كانت الإجابة لازمة بقدر الكفاية.

وإن حضروا جميعًا أو بعضهم فيحملوها ثم سئلوا إقامتها لزم مستشهد في عينه أن يؤديها، والله أعلم.

فإن أغفلت العامة ما يلزمها من سؤال العلماء، عما يفوتهم، وأعرضوا عن العلماء بواحده، وخاف العلماء أن يخلو من العلم أن انقرضوا، ولم تحمل منهم ما حملوه ولا سئلوا عنه فأدوه.

ويعفوا أعلام الدين، وتدرس آثاره، كان عليهم أن يدعوا الناس إلى التعلم منه، ويحثوهم على الرجوع إليهم فيما يفوتهم، ويبصرونهم ما في رفض العلم، وقلة الحفل بالحكم من عظيم الضرر والإثم.

ويذكروهم ويسمعوهم ما يرجون أن يردعهم فيملأوا أبدانهم بالوعظ والنصح، ويرووا لهم الأخبار ليخرجوا إليهم من عهدتها ويرفعوا أحوالهم إلى السلطان، ليأمرهم السلطان بتعلم الدين، والرجوع إلى العلماء في ثوابهم، وإلى حاكمه في مطالبهم.

فإذا لم يفعلوا أمر واحدًا أو أكثر بقدر سكان البلد ليجلس وقتًا معلوم، للتذكير والرواية والفتيا.

ثم أمر العامة أن يحضروا المجلس، فإذا حضرت منهم طائفة تدرك ما تسمع وتحسن أن تسأل عما يحتاج إليه وتعي ما يجاب به أمسك عن الآخرين.

وإن كان السلطان لا يوثق لما يلزمه بحسن العلماء لهم في مشاهدتهم الأخبار التي يرون أنها أجمل للتذكير، فأسمعوهم منها ما يظنون أنه أنجع فيهم وأحق بحسن الموقع منهم.

فإن أصابهم في ذلك مكروه صبروا واحتسبوا كما صبر الأنبياء والمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين.

قال نوح: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِي إِلاَّ فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} .

وقال - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلّم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} .

وقال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} .

وحكى جل ثناؤه عن لقمان فيما وعظ به ابنه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت