فهرس الكتاب

الصفحة 1194 من 1217

قيل له: قال مالك: إنه أنفع في قلبي من العقيقة، إن النصارى واليهود يعملون بصبيانهم شيئًا يجعلونه فيه، ويقولون: قد جعلناه في الدين.

فإن من شأن المسلمين الذبح في ضحاياهم.

وعق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن الحسن والحسين، فيقع في قلبي من الذبح عنهم أنها شريعة الإسلام، وقد سمعت غيري بذلك.

وهذا قاله مالك رحمة الله عليه.

فيحتمل وتقديره أن النصارى تغمس أولادها في ما يسمونه المعمود به، فيقولون: صنعنا أولادنا أي نصرناهم.

ومعناه: أظهرنا شعارها عليهم.

واليهود تفعل ذلك بختان أولادها.

وكان المسلمون مخصوصين بالهدايا والضحايا، فشرع لهم أن يظهروا شعار الإسلام على حديثي العهد من صبيانهم بالأولاد، بأن يذبحوا عنهم.

لأن الختان، وإن كان مشروعًا للمسلمين، فاليهود مشاركة لهم فيه.

فعدل عنه إلى ما لا تقع فيه مشاركة.

وهذا بنظير أن اليهود لما كانت تعظم السبت والنصارى تعظم الأحد وتتخذه عيدًا، شرع للمسلمين أن يعظموا يومًا غيرهما ويتخذوه عيدًا والله أعلم.

وفيه قول آخر عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - يعق بعد ثلاث سنين، كان من ولد الذي قرب القربان، فتقبل منه، فصار سنة في العقيقة.

وكان من ولد اسماعيل الذي فدى بذبح عظيم فصار سنة في الأضحية.

وكان من ولد عبد الله بن عبد المطلب الذي فدى بمائة من الإبل فصار سنة في الدية.

وهذا الذي قاله سفيان من أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان من ولد الذي قرب القربان فتقبل منه مشكل.

لأنه إن كان أراد به أنه من ولد ابن آدم الذي قرب القربان فيقبل منه كما ذكره الله - عز وجل - في كتابه.

فالرواة ينطقون على أن ذلك هابيل بن آدم.

وأجمع النسابون على أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - من ولد شيث بن آدم صلى الله عليهما وسلم، ولم يكن لهابيل ابن يعرف، وإن كان أراد غيرهما فليس له بين وجه من كل أمر.

وقد يحتمل عندي أن سنن الأضحية والعقيقة جميعًا من قصة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام، فيقال: إن ابراهيم عليه السلام إنما أمر بذبح ابنه عن نفسه، فلو حل وإتمام ما بدأه، لكانت منزلته في التقرب بابنه كمنزلة غيره في التقرب ببدنته أو بقرته أو شاته.

ولما فدى بالكبش، صار الكبش مذبوحًا عن اسماعيل، ثم صار عن اسماعيل بذبح فداية كان أباه قد أمضى لنفسه القربة التي قصدها منه.

ففرع عن هذا أن التضحية قربة، وإن الذبح عن الولد أيضًا بر وقربة.

فإن كان سفيان أراد هذا فقد وفق وإن كان لم يرده والإشكال لازم كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت