فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1217

فأما قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا» .

فقد يخرج على أن يكون نهاهم عن التقصير في حقوق الله اتكالًا على أنهم عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، ولعلهم لا يسألون عما يعملون لأجله.

فأخبرهم أن أفضالهم به لا يسقط عليهم تقلب أعمالهم، وأنهم مسئولون ومحاسبون كغيرهم، وأمرهم بعد ذلك إلى الله تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، ولم يرد به أن لا يشفع عنهم، وليست الشفاعة أغنى عنهم من الله شيئًا، لأن الشفاعة فيما بينا ليست بمرحبة، فكيف يتوهم أن تكون الشفاعة عند الله تعالى مرحبة وبالله التوفيق.

وأما قولهم أن الشفاعة لو كانت واقعة لأصحاب الكبائر فيه لما جاز أن يخبر بها لما في ذلك من تجربة الخاطئين في خطاياهم.

فجوابه: أنه ليس في إخبارهم ذلك إلا ما في إخبارهم بأن من قضى شهواته كلها دهرًا طويلًا ثم تاب إلى الله تعالى توبة صحيحة، صحت بتلك المزية عنه في تلك الساعة جميع الأوزار، وصار كيوم ولدته أمه.

فإن كان هذا جائزًا، والأخبار به جائزًا مثله، فلم لا جاز أن تكون الشفاعة والأخبار بها جائزين؟.

فإن قال: لا تجزئه في منزل التوبة وإحباط الخطايا، لأن الخاطئ لا يعلم من نفسه أن التوبة تنفعه أو لا تنفعه.

قيل له: والخاطئ لا يعلم أن الشفاعة تناله أو لا تناله.

فإن الخاطئين كلهم لا يسلمون من النار إنما يسلم منها بعضهم وبالله التوفيق.

فإن قال قائل: الشفاعة حق، ولكنكم تضعونها في غير موضعها، وإنما هي لصاحب الكبيرة، والمنهمك في الخطيئة إذا مات، ثم أخبرهم، من قريب توفي في القيامة، وليس وراء الإيمان عمل صالح فيشفع النبي - صلى الله عليه وسلّم - له إلى الله تعالى ليحسن إليه منتدبًا إن كان لا يستحق أن يحسن إليه جازيًا ومشيئًا.

فالجواب: أن قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .

تأبى هذا التأويل، لأن فيه أن المشفوع له يكون من أهل الكبيرة حتى يشفع له، والتائب في الدنيا لا يوافي القيامة بكبيرته، فلا تكون الشفاعة كما ذكرت شفاعة لصاحب كبيرة لأنه لا كبيرة له يحاسب بها يوم القيامة.

وأيضًا فإن الروايات قد نطقت بإبطال هذا التأويل لأن ابن عباس قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم: شفاعتكم للمتقين! إن المتقين في غناء، إن الله - عز وجل - يقول: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} ، إنما شفاعتي للهلاك من أمتي.

ومعلوم أن التائب لا يكون هالكًا، فصح أن المراد به المصر على الكبيرة والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت