(فصل)
وإذا ظهر أن النعمة تقتضي الشكر، وظهرت وجوه الشكر، فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، واتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء.
فالوفاء بالإيمان اتباعه ما بعده.
فإن قيل: ألا قلتم إن أولى النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان؟
قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح أن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر الله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم.
ثم إن على هذا، كل عبادة تتلو الإيمان من فعل شيء أو كف عن شيء فهو شكر لنعم الله تعالى.
ثم التيسير لها نعمة يجب شكرها بالقلب واللسان، فمن جملة شكرها الاغتباط بها، وسيأتي ذكرها في باب مفرد إن شاء الله.