(فصل)
ومعنى {حَجَّ الْبَيْتَ} والبيت هو الكعبة، وإنما تعرف حقيقة الحج ومقداره بين العبادات بمعرفة البيت والوقوف على السبب الداعي إلى تفضيله وتشريفه، وقد أشار الله تعالى إلى أصل ذلك في كتابه، فقال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} .
وقال في آية أخرى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} .
وأغلب ما قيل في معناه: إن المراد به خلاف الحديث، فحصل على الاثنين، أن الكعبة بيت عتيق، وأنه أول بيت وضع في الأرض، ولم يذكر الله تعالى واضعه.
فيحتمل أن يكون الله تعالى أخبر به عنه ما أخبر آدم من الجنة.
ويحتمل أنه كان أحدثه قبله.
ويحتمل أن يكون أمر آدم فبناه.
ويحتمل أن يكون أمر الملائكة فبنته.
لا يخرج وضعه في الأرض من هذه الأربعة الأوجه.
وأما ما كان من هذا فينبغي أن يعلم أن وضعه فيه لم يكن أسكنه ساكن، وإنما كان ليجعل معبدًا، وذلك أن الله - عز وجل - قد جعل في بعض سماواته بيتًا وسماه بيت المعمور، وجعله تعالى لملائكته، وجعل فوق السماوات العرش وشرفه باسم نفسه، فقال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} .
وقال: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ} .
وجعله للملائكة المقربين مطافًا وجعل لهم حوله صنافًا.
فإنما خلق هذا البيت في الأرض ليكون فيها سكان البيت المعمور في مكانه من السماوات، ومكان العرش حيث هو لمن في السماوات.
وجاء عن الحسن ومجاهد: أن الكعبة تحت البيت المعمور وبحذائه.
وقال قتادة: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش.
وإذا كان كذلك، فهو إذًا إنما وضع تحت البيت المعمور الذي هو يحاذي العرش، ليكون معناه في الأرض، معنى ما هو بحيالهما حيث هما.
وكان العرش إنما يشرق باسم الله تعالى ليكون متعبدًا للملائكة المقربين يطوفون حوله ويصفون ويسبحون لله عز وجل.
والبيت المعمور بيت حيث هي بحياله ليكون معبد الملائكة الذين هم في تلك السماوات.
فكذلك الكعبة إنما شرفت باسم الله تعالى، وضعت في الأرض بحيال البيت المعمور ليكون متعبدًا لسكان الأرض، فخصه الله بعبادتين: أحدهما الطواف فلا يجوز إلا حوله.
والآخر: الصلاة فلا تجوز إلا إليه.
وذلك على صحة ما قلنا من أن هذا البيت وضع في الأرض ليكون متعبدًا لا يسكنه ساكن أن الله - عز وجل - اختار له وضعه للناس.