(فصل)
إن سأل سائل: عن قول الله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقال: قد يدعى فلا يستجيب، فما وجه هذا؟
قيل: أمره جل جلاله بالدعاء للإجابة كالأمر بالتداوي للعافية، وخلقه الدواء لإماطة الداء ثم قد يتداوى فلا تكون العافية، وقد يتداوى من الداء بدوائه فلا يزول، ولا سؤال يؤخذ هناك فكذلك هاهنا.
ونقول: معنى قوله جل ثناؤه أدعوني أستجيب لكم، أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم، لا بحسب أهواؤكم وأمانيكم، صحت أو فسدت وخفت أو بطلت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى فيها بينًا بها، وهو قوله عز وجل: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} وقوله: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا} وذلك والله أعلم ـ على معنى أنه ربما دعا بما هو شر له ولا يدري، فيحسبه خيرًا له.
فدلت الآيتان جميعًا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء بالمستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيرًا.
فأما إذا علم أن له فسادًا أو شرًا فإنه لا يستجيب له دعاءه إكرامًا وثوابًا له بدعائه.
ولكنه إذا كان عليه ساخطًا فقد يفعل ذلك به عقوبة له والله أعلم.
وقيل: ليس بشيء من دعاء المؤمنين إذا استجمع شرائطه غير مستجاب لأنهما منزلتان الإجابة أو الرد.
فإذا لم يكن رد فليس إلا الإجابة.
والرد أن لا يعطي بدعائه شيئًا فتكون منزلته بعد ما دعا كمنزلته قبل أن يدعو، أو ما عدا هذا فليس يرد وإنما هو إجابة.
إلا أن الإجابة تختلف، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليست فيها قطيعة رحم، ولا إثم، إلا أعطاه خصال ثلاث: إما يقبل دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه مثلها، قال يا رسول الله. إذًا نكبر.
قالوا لله تعالى أكثر أتي الله أكثر خيرًا وفضلًا لا يعجزه إعطاؤكم وإن كثر سؤالكم».
فبان بهذا الحديث أن الإجابة تنقسم ستة أقسام أحدها عطاء السائل عما سأل، ثم قد يكون ذلك قريبًا، وقد يكون بعيدًا.
والآخر: تعويضه منه مثله أما خيرًا وأما شرًا يصرف عنه وهذا أعظم ما تكون معنى للإجابة، وإذا كان الله جده أوجب على عبده غير حق ثم رضي منه بالبدل والفدية ويجعله بها مؤديًا حقه، فكيف لا يجيب العبد ما يعوضه الله تعالى من دعائه ومسألته إجابة له وتصريفًا لأمله. بل يرى أن ذلك رد وتحبيب.
والثالث: أن يعوضه في الآخرة.
ومعنى ذلك أن يغفر له، فكان ما سأل في الدنيا دينًا أو ذنوبًا في الآخرة، فيعود هذا إلى صرف بلية بقدر ما سأل بدعائه لأنه لا بلية أعظم من النار، فإذا أشرق عليها، ثم صرف عنها كان سروره بذلك أشد من سروره في الدنيا بما سأله لو كان أعطاه.
وفي هذا أيضًا إجابة دعائه لأنه لا يخلو من أن أعطى به شيئًا كان لا يعطاه ولا دعاؤه وليس هذا من الرد بمستحيل فأما قول الله عز وجل: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} فيكشف ما تدعون إليه إن شاء، وهذا للكافر كقوله: {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} وهو كقوله عز وجل: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} .
فأبان أنه قد يحرمهم ويرد دعاءهم بكفرهم، قد يجبهم عن ما يسألون تأكيدًا للحجة عليهم.
فأما المؤمنون فإن دعاءهم لا يرد إذا استجمع شروطه، ولكنه يجاب، ثم الإجابة على ما وصفت وبالله التوفيق.