وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «اختتن ابراهيم صلوات الله عليه وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة» .
فقد صح أن الختان من ملة ابراهيم.
وقد قال الله - عز وجل - لنبينا - صلى الله عليه وسلّم: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} .
فما كان من ملة ابراهيم أصلها وفروعها، فاتباعها واجب بهذه الآية.
قيل: المضمضة والاستنشاق لأصل الجناية فرض عندك، والاستنجاء بالماء فرض عندك، غير أن الأحجار تقوم مقامه.
كما أن غسل الرجلين فرض، لكن المسح على الخفين يجري عنه.
فليست قرائن الختان كلها إذًا غير فرض.
وعلى إنا لا ندري أكانت قرائن الختان في شريعة ابراهيم عليه السلام فرضًا أو لم تكن فرضًا.
فليس في جمع الأمر بينهما وبين الختان ما يمنع من أن يكون الختان من بينهما فرضًا، كما قد يجمع على المصلي والحاج بين عدة أشياء يؤمر بها، ثم يكون بعضها فرضًا وبعضها غير فرض.
وإن كانت في شريعتها فرضًا فالختان ثم نسخ فرضها، فليس في نسخها ما يوجب نسخ الختان كما لم يكن في نسخ منها ما يوجب عندك زوال فرض المضمضة والاستنشاق في التطهر من الجنابة والله أعلم.
وقد يحتج لإيجاب الختان بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «خمس من الفطرة» فذكر منها الختان، والفطرة هي الملة.
قال الله عز وجل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} يعني الدين القيم.
وقد يجوز أن يكون معنى خمس من الفطرة أي من الملة التي أمرتم باتباعها، وهي ملة ابراهيم.
فرجع المعنى إلى أنها فطرة أبيكم، لا إلى أنها فطرة الناس كلهم.
ابتلاء ابراهيم واقعًا بضم خمس إلى هذه الخمس، حتى بلغت الكلمات عشر.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «الفطرة خمس: الاستحداد وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والختان» .
ووجه الاستدلال بالختن، أن الفطرة لما كانت الدين والملة، فكان ما قيل أنه منها، فالظاهر أنه من أركانها لا من روائدها إلا أن يقوم الدليل على خلافه.
والدليل على ذلك أن كل نبي بعث وشرعت له شرعة، فإنما يبعث على أن يكون على قومه اتباعه، لا على أن يكون متحرين في طاعته.
وأوجب هذا أن يكون الأصل في كل ما شرع له الوجوب، حتى يكون الدليل على غيره.