فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 1217

فإن قال قائل: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «ولدت في قصر الملك العادل» ـ يعني أنوشروان ـ فقد وصفه بالعدل؟

قيل: حاشا لله ولرسوله أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال ذلك.

فإن هذا ليس ما يعتمد من الحديث، ولو كان قاله لكان إطلاقه ذلك لتعريفه بالاسم الذي كان يدعي به لا لوصفه بالعدل والشهادة له به، فإن الفرس كانوا يسمون أنو شروان الملك العادل، أي في زمان ما كان عندهم ملكًا، وقد قال الله عز وجل: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ} .

أي كانوا يسمونها آلهة، أي آلهتهم فيما عندهم.

وقال: {وَقَالَ الْمَلِكُ} أي قال: من كان عندهم الملك.

ولئن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ولدت في زمن الملك العادل» فعل هذا المعنى، إذ لا يجوز أن يسمى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من غير حكم الله تعالى عدلًا، ولم تكن الفرس تدعي أن سيرة ملوكها وحي من الله تعالى، من المشهور الذي لا تخفي تسميتهم إياها أبنية ورسومًا وأوضاعًا.

وذلك يدل على أنهم لم يكونوا يصفونها إلى الله عز وجل.

وكيف يجوز أن يسميها رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عدلًا؟ هذا وما حفظت لهم أحكام ولا عرفت ولا ادعاها أحدهم، وإنما كانوا ينظرون في ظلامات الناس بحسب ما يقع لهم أنه أرفق وأحسم وألسن، ولم يكن يقع لهم في الظلامات في الأمور الشرعية، بأن العقود المباحة كلها شرعية، فإذا لم يعرفوها لم يتعاملوا بها، وإذا لم يتعاملوا بها لم يتظالموا فيها.

وكذلك الأفعال فما فيها من محظور، وإنما يقع التظالم فيها من الذين يعتقدون حدودها التي هي لها في الشريعة، فإذا جاء الذهاب عنها فلا تظالم فيها، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون من ملكهم ما يكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عدلًا فيصفه به ويبني عليه لأجله إلا أن يقول: كان يظالمهم بحسب الأوضاع التي كانت لهم كما أن تظالم المسلمين بحسب الأوضاع الشرعية التي لهم، فيكون هذا نفس ما قلنا من أن تظالمهم لم يكن يقع على المحدودات الشرعية، فيكون الفضل بينهم عدلًا بحال قط، إنما العدل في الحكم، ولا الحكم إلا لله جل ثناؤه، فكيف يجوز وجود العدل ممن لا يكون قوله حكمًا، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت