ويقال له: أرأيت البخار الحار اليابس إذا احترق بالنار يصير نارًا فلا يمكنه أن يقول أنه يصير رمادًا، إلا إن تلك الأبخرة ليست أجزاء من التراب، وإنما هي من قبل الأنداء المركبة في أشياء الأرض، ولا أن يقول أنه يصير شيئًا ما يشير إليه، فإنما ينبغي أن يقول: أنها صارت في طبيعة النار أتحدث بها، فصارت نارًا، وإنقلابها نارًا لا يوجب ظهورها لأبصارنا، لأن تلك النار ليست بمرئية لنا، فكيف يرى ما يتصل به ويتحد معها.
ومعلوم أن تلك ينبغي أن تكون أعظم وأبسط وأقوى من هذه أضعافًا كثيرة، فكيف صار هذا الجزء اليسير الذي انقلب نارًا ترى، والعظيم والكبير الذي انقلب هذا إليه وإتحد معه لا شيء؟
فإن قيل: إنه يلزمكم من هذا بل ما ألزمتم غيركم لأنه يقال لكم، والجن الذي ترمي تحرق ماذا يصير، فلا يمكنكم أن تقولوا: إنه يصير رمادًا، وإن قلتم تصير نارًا، فكيف صار هو وما قدف به النار يرى؟ والنار العظيمة التي من فوق لا ترى؟
فالجواب: إن الله - عز وجل - أخبر أنه {وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} .
فقد يجوز إذا ورد عليها نار أقوى منها أن تأكلها وتبطلها، فأما إن هذا يرى، وتلك النار التي يصفونها إن سلمت لهم لا ترى، فلا يلزمنا منه ما يلزمهم، لأن هذا عندنا من إعلام النبوة، وإعلام النبوة كلها ناقضة للعادات، ظاهرة للإدراكات، خارجة من حكم المغيبات، والله أعلم.
(فصل)
وأما قول من قال: إن كان هذا القذف لأجل النبوة، فلم دام بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلّم -؟ فجوابه من وجهين:
أحدهما: دام لدوام النبوة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أخبر ببطلان الكهانة، وقال: «ليس منها من يكهن» فلو لم تحرس السماء بقدرته لعادت الجن إلى سمعها ولعادت الكهانة ولا يجوز أن تعود بعد ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم - ببطلانها، ولا قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن الكهانة إذا عادت لتباهي النبوة، فإنها إنما كانت إرتفعت لأجلها، فلولا النبوة زالت لما عادت الكهانة، فصح أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلّم - وبعد أن يتوفاه الله تعالى إلى كرامته.
والوجه الآخر: إن السماء تحرس بعد وفاته لإقصاء الشياطين عن مشاهدة الملائكة المكرمين سماع كلامهم إذلالًا وإهانة، وإن كانت لا تحرس احتياطًا لما يوحى، إذ كان الوحي قد انقطع، والله أعلم.