وأما قول بعض الأوائل أن هذه الشهب سببها الخرة، ترتفع من الأرض، فإذا بلغت النار التي دون الفلك إحترقت فليس بشيء يلزم الاعتراف به، لأن الذي قاله لم يقله إلا على أغلب ظنه، وتحسب ما وقع عندنا نظر فيه واجب الوقوف على وجه إن كان له بعد إن كان لا يعرف من السماء ما يعرفه رسل الله صلوات الله عليهم بجهله بهم وتكذيبه لهم، وكفره بخالقه ورازقه الذي يتقلب ليله ونهاره في نعمه، ولا غنى به في حال من الأحوال عنه.
وليس يجوز لنا أن ندع خبر النبي - صلى الله عليه وسلّم - الذي قامت الدلائل على صدقه عن خالق الشهب كظن ظان ولا توهم متوهم.
وأيضًا فإن هذه الأبخرة تتصاعد من جميع الأرض إذا الشمس تنبسط على جميعها، فكان ينبغي إذا وصلت إلى النار التي قالها هذا القائل وأحرقت بها أن ترى ذلك كهيئة المطبق العالي ما بين الأفق، لأنها لا تنأى عن وجه الأرض النائي الذي يصعد منه في المنظر العظيم، ويدق الجليل الجسيم كالكواكب، بل كان مرئي منه الشيء العظيم المبشر الذي كان لا يخفى أن لو دنا من وجه الأرض أو قريبًا منه، لأن ما يرتفع من وجه الأرض من حين الضحى فيبلغ ما يبلغ، أما في أوائل الليل أو في أوسطه وآخره.
فبين أن مسافته في البعد إلى أن يرى المرتفع منه عن أكثر الأرض، والمنتشر المنبسط بعد ذلك في الهواء يحط محطًا، أو جبل فيصير بحرًا، وكان ينبغي أن يرى ذلك من كل وجه لا يرى منه في جانب ما قيد سهم أو قيد قوس، فإن طال حدًا فقدر رمح.
وأيضًا فإن العيان يقضي بأن ذلك قذف ومرمي لأن ما يظهر ذلك في السماء، فهو في صورة ما يشاهد من القذافات فيشعل فيه دفعة واحدة، ولكنه في المشاهدة كشيء يبدو أو يمر طويلًا أو قصيرًا ثم يقف فهو أشبه بما يرى من قذافات الأرض، فكيف يجوز أن يترك العيان ويجحد بالأوهام والظنون.
وأيضًا فإن الأبخرة التي تتصاعد عن وجه الأرض، أين كانت أنما إكتسبت اليبس من قبل الشمس، فينبغي إذا انقطعت مجاورة الشمس عنها بمجيء الليل وحالت الأرض بينها أن تعود إلى حالتها الأولى، وترطب برطوبة الهواء، ثم تستحيل إليه ولا تبلغ النار التي يقولونها وهي حارة يابسة، وإن كان البخار الرطب يبلغ من تأثير الشمس فيه أن تجعله مهيأة للاحتراق ولتؤثر هذا الأثر في الهواء نفسه، فيخترق بالنار المجاورة له بزعمه، أو لتؤثر تلك النار نفسها فيما يجاورها من الهواء وتحرقه، في فساد ذلك فساد ما قاله هذا القائل والله أعلم.