(فصل)
ثم إن الله جل ثناؤه ضمن هذه المعاني كلها كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله، وأمر المأمورين بالإيمان أن يعتقدوها ويقولها، فقال عز وجل: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ} وقال فيما ذم به مستكبري العرب: {إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} والمعنى أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا ولم يقولوا، بل قالوا مكانها أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون.
ووصف الله تعالى نفسه بما في هذه الكلمة في غير موضع من كتابه فقال: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .
وقال: {هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} .
وأضاف هذه الكلمة في بعض الآيات إلى إبراهيم الخليل صلوات الله عليه فقال بعد أن أخبر عنه أنه قال لابنه وقومه: {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} .
وقيل: الكلمة لا إله إلا الله، ومجاز قوله: إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني إلا الله.
فيحتمل أن يكون أولاده المؤمنون أخذوا هذه الكلمة عنه، فكانوا يقولون: لا إله إلا الله.
ثم إن الله - عز وجل - جددها بعدد رسوها بالنبي - صلى الله عليه وسلّم - إذ بعثه لأنه كان من ذرية إبراهيم صلى الله عليهما، وورثة من هذه الكلمة ما ورثه البيت والمقام وزمزم والصفا والمروة وعرفه والمعشر ومنا والكلمات التي ابتلاه بها فأتمها والقربان.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «أمِرْت أن أقاتِل النَّاسَ حتَّى يقُولوا لا إلهَ إلا الله فإذا قالوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلا بحَقِّها» .
في هذا بيان أن هذه الكلمة يكفي الإسلام بها من جميع أصناف الكفر بالله عز وجل.
وإذا تأملناها وجدناها بالحقيقة كذلك.
لأن من قال: لا إله إلا الله، فقد أثبت الله ونفى غيره، فخرج بإثبات ما أثبت من التعطيل، وبما ضم إليه من نفي غيره عن التشريك وأثبت باسم الإله الإبداع والتدبير معًا إذا كانت الإلهية لا تصير مثبتة له تعالى بإضافة الموجودات إليه على ومعنى أنه سبب لوجودها دون أن يكون فعلًا وصنعًا، ويكون لوجودها بإرادته واختياره تعلق، وبإضافته فعل يكون منه فيها سوى الإبداع إليه مثل التركيب والنظم والتأليف.
فإن الأبوين قد يكونان سببًا للولد على بعض الوجوه، ثم لا يستحق واحد منهما اسم الإله.
والنجار والصانع ومن يجري مجراهما، كل واحد منهم يركب ويهيئ ولا يستحق اسم الإله، فعلم بهذا أن اسم الإله لا يجب إلا للمبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع، فقد وقع بالتدبير، لأن الإيجاد تدبير ولأن تدبير الموجود إنما يكون بإثباته أو بإحداث أعراض فيه أو إعدامه بعد إيجاده، وكل ذلك إن كان فهو إبداع وإحداث، وفي ذلك أنه لا معنى لفصل التدبير عن الإبداع وتميزه عنه، وأن الاعتراف بالإبداع ينتظم وجميع وجوهه زعامة ما دخل في بابه.
هذا هو الأمر الجاري على سنن النظر ما لم يناقض قوله مناقض، فيسلم أمرًا ويجحد مثله، أو يعطي أصلًا ويمنع فرعه.