فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 1217

فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه لأنه لو كان جوهرًا أو عرضًا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والإعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرًا ولا عرضًا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الإعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء.

وأما البراءة من التعليل بإثبات أنه مبدع كل سواه، فلأن قومًا من الأوائل خالفوا المعطلة ثم خذلوا عن بلوغ الحق فقالوا: إن الباري موجود، غير أنه علة لسائر الموجودات وسبب لها، بمعنى أن وجوده اقتضى وجودها شيئًا فشيئًا على ترتيب لهم يذكرونه، وأن المعلول إذا كان لا يفارق العلة، فواجب إذا كان الباري لم يزل أن يكون مادة هذا العالم لم يزل به، فمن أثبت له المبدع الموجود المحدث لكل ما سواه من جوهر وعرض باختياره وإرادته المخترع لها لا من الأصل فقد انتفى عن قوله التعليل الذي هو في وجوب الكفر لقائله كالتعطيل.

وأما البراءة من التشريك في التدبير بإثبات أنه لا مدبر لشيء من الموجودات إلا الله، فلأن قومًا زعموا أن الملائكة تدبر العالم وسموها آلهة.

وزعم قوم أن الكواكب تدبر ما تحتها وأن كل كائنة وحادثة في الأرض، فإنما هي من آثار حركات الكواكب واحتراقها، واتصالها وانفصالها وغير ذلك من أحوالها.

فمن أثبت أن الله - عز وجل - هو المدبر لما أبدع ولا مدبر سواه، فقد انتفى عن قوله التشريك في التدبير الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله، كالتشريك في القدم أو في الخلق، وكان معنى من هذه المعاني معتقده، ولهذا لم يكن الاعتقاد إحدى شعب الإيمان أو الاعتراف شعبة ثانية، بل كانا معًا شعبة واحدة إذا كان المحصل بعقد القلب هو المحصل بلفظ اللسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت