قيل: أليس التخيير غير حكم فطره ولم يغير حكم صومه، فلا تنكروا أن الدليل قد غير حكم ترك الطاعات ومنع من أن يكون ذلك كفرًا، ولا يغير حاكم فعلها، ولا يمنع من أن يكون إيمانًا، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: القبول لكل ما تجدد شرطه بمنزلة عادة الإيمان المتقدم، لأن الإيمان المتقدم اشتمل على القبول لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلّم - فسواء كان قد جاء بما بعث به جملة، أو جاء به شيئًا فشيئا.
فالجواب: أنه لو كان أعاده بالتقدم لم يحتج إليه، وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه لما بعث معاذ إلى اليمن قيل له: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك، فاعلمهم أن عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» ، فلو كان الاعتراف بالله ورسوله قبولًا لكل ما يؤديه الرسول عن الله تعالى.
قال لهم: فإن هم أجابوك إلى رسول الله فأعلمهم أن عليهم الصلاة والزكاة.
ولما لم يقل ذلك بل علق كل أمر من ذلك بإجابة إليه جديدة، صح أن التصديق المتقدم على سبيل الأعمال لا يعني عن القبول عند التفصيل.
وأكد هذا وأوضحه أن قبول الفرض إنما يجب ويصح بعد الفرض ويستحيل أن يقع القبول لما لم يفرض.
فثبت بهذا أن القابل للفرض عند الدخول في الإيمان، ليس قبول ما لم يفرض، لكنه التزام لقبول ما يعرض، فإذا وقع الفرض وجب القبول والوفاء بما تقدم من التزامه، لا أنه يقع ملتزمًا مقبولًا، ألا ترى أن الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، وسمعوا منهما البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلّم -، والتزموا الإيمان به أن لحقوا أيامه وأدركوا بعثه، فلو بعث وهم أو بعضهم أحياء، لم يكونوا بمجرد تصديقهم المبشرين به بعينه، حتى يحدثوا إيمانًا به وتصديقًا له.
فكذلك المصدق بالنبي - صلى الله عليه وسلّم -، وإن التزم قبول ما يأتي به فذلك لا يجعله عندما يأتي به قابلًا له ملتزمًا إياه.
حتى يحدث له قبولًا.
فثبت أنه إذا قبل، كان ذلك القبول منه إيمانًا حادثًا وراء ما قدم من الإيمان، وانضمام الإيمان إلى الإيمان، فوجب ازدياد السابق باللاحق.
فصح أن الإيمان قابل الزيادة، والله أعلم.
ودل الكتاب على ما وصفت، قال الله عز وجل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} .