فهرس الكتاب

الصفحة 854 من 1217

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(45)}

(فصل)

إن سأل سائل: عن قول الله عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فقال: التعارف بينهم يكون بالكلام.

وقد قال الله - عز وجل - في آية أخرى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} وفي آية ثالثة أنهم يقولون {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا} .

وهذا كلام وهو مضاد إليكم.

والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم معًا.

وقال عز وجل: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} .

وقال جل ثناؤه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} .

والسؤال لا يكون إلا بالسمع والناطق يتسمع للجواب.

وقال: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا} وهذا كلام، والأبكم لا يستمع له.

وقال في آية أخرى: {فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} وفي آية أخرى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} .

والنسلان والإسراع مخالفان للخبر على الوجوه فما وجوه هذه الآيات عندكم؟

فالجواب ـ وبالله التوفيق ـ: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالهم واحدة، ولا موقفهم ومقامهم واحد ولكن لهم مواقف وأحوالًا.

واختلف في الإخبار عنهم لاختلاف مرافعهم وأحوالهم.

وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: أولها حال البعث من القبور، والثانية حال السَّوق إلى الحساب، والثالثة حال المحاسبة، والرابعة حال السَّوق إلى دار الجزاء، والخامسة حال السَّوق إلى مقامهم في الدار التي يصارون إليها.

فأما الحالة الأولى: وهي حال البعث من القبور، فإن الكفار يكونون فيها كاملي الحواس والجوارح لقول الله عز وجل: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} وقوله: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا} أو قوله: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَآدِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} .

والحالة الثانية: حال السَّوق إلى موضع الحساب، وفي هذه الحال أيضًا بحواس تامة يقول الله عز وجل: {احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} .

ومعنى فاهدوهم دلوهم عليه، ولا دلالة للأعمى الأصم، ولا سؤال الأبكم، فثبت أنهم يكونون بأسماع وأبعاد وألسن ناطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت