فإن قال قائل: فما الحكمة في إفراد الجن عن الإنس في الوعيد، وترك إفرادهم عنهم في الوعد؟
فقيل في جواب ذلك: إنهم قد ذكروا في الوعد لأن الله - عز وجل - يقول: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} .
ثم قال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} ، وإنما أراد ولكل من الجن والإنس، فقد صاروا مذكورين في الوعد مع الإنس كما ذكروا في الوعيد.
فإن قيل: أليس قد ذكر يخاطب الجن في النار، ولم يذكر يخاطب الفريقين في الجنة لأن الله - عز وجل - قال: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} .
وقال: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} .
ولم يأت عن تعارض الفريقين في الجنة خبر.
قيل: إنما ذكر في معارضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان في الدنيا قرينه أنه المغاوي وأضلني.
فيقول له قرينه: ما أطغيته، ولكن كان ضالًا في نفسه غويًا، وهذا تخاصم يدعو إليه طاعة الإنس لقرنائهم من الجن وهم الشياطين في الدنيا، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة منها إلى التفاوض، فلذلك سلب عنهما.
وأيضًا فإن الله جل ثناؤه، أخبر الناس أن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان.
وليس في إجبار الأخيار باجتماع الجن معهم في الجنة ما يحرضهم على الازدياد من الطاعات والاستكثار من الخيرات، إذ لا معنى فيهم يسوق الإنس إليهم ويحثهم على مجاورتهم.
فيحتمل أن يكون ذكرهم مع الإنس في الوعيد، والسكت عن ذلك في الوعد لهذا، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن السكت عن ذكر الجن وإدخالهم الجنة يحتمل، لأنهم لا يخالطون الإنس فيها، ولا يجاورنهم مجاورة الإنس بعضهم بعضًا، ولكنهم مع الإنس في الجنة كما يكونون معهم في الأرض، لا يرى هذا ذاك، ولا ذاك هذا ولعل ذلك لا يجاوز الأشكال أنس ويجاوز الأضداد وحشة، والجن أضداد الإنس.
فإن الجن مخلوقون من النار، والإنس مخلوقون من الماء والتراب.
والماء ضد النار، وفي التراب أيضًا بعض المضاد لأنه يطفئ النار كما تطفئها الماء.
فالتضاد بين الفريقين في أصل الجملة، ولأن الجن في الدنيا إنما كانوا يتعيشون بروائح الأطعمة دون أجسادها، فلذلك في الجنة يتنعمون بنسيم الجنة وطيب روائحها، وروائح الأطعمة والأشربة التي تكون فيها، فتكفيهم من المكان في الجنة مثل ما كان يكفيهم منه في الدنيا، فيكونون لاختبائهم عن الأبصار كالمعدومين، فنشبه أن يكون أفرادهم بالذكر بما لم يقع لهذين المعنيين أو لأحدهما والله أعلم.
فأما الذين يوردون النار من الجن، قد يجوز أن يكونوا أيضًا غير مرئيين للإنس، ولا تظهر لهم فيرونهم، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} .
فكذلك أهل النار من الفريقين، وإن تخاصموا فذلك لا يقتضي أن يرى بعضهم بعضًا، والله أعلم.
وأما المحاسبة فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أن في الجنة يسألون، لأنه تعالى قال جزاءًا عما يقال لهم يوم القيامة يا معشر الجن والإنس: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى} .
وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، والله أعلم.