فهرس الكتاب

الصفحة 925 من 1217

وأيضًا فقد روي أن الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلّم - كانوا على أن أحدهم إذا سبق بشيء من الصلاة أشير إليه إذا حضر، فقضى ما فاته ثم تابع الإمام.

فجاء معاذ رضي الله عنه يومًا وقد سبقه النبي - صلى الله عليه وسلّم - بشيء من الصلاة، فأشير به إليه فقال: لا أجده على حال تابعته عليها، فصلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ثم قضى ما فاته.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «قد سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا» .

ولم ينكر عليه اجتهاده واحداثه ما أحدث مما كان الناس يومئذ على خلافه.

فإذا جاز له ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فكيف لا يجوز لعمر رضي الله عنه ما هو دونه بعد وفاته.

فإن قيل: إن معاذًا نسخ أو شرع؟

قيل: لا نقول واحدًا منهما، ولكنا نقول: إن الذين كانوا يبدأون بما سبقوا به إنما كانوا يصلون منفردين حتى إذا شاءوا الإمام دخلوا في صلاة، وكان ذلك رأيًا رآه من غير أن أمروا به، ولم يكن في سكوت النبي - صلى الله عليه وسلّم - عنهم أكثر من جواز ذلك لهم.

ثم إن معاذًا رضي الله عنه رأى أنه غير ذلك أحسن منه، وهو الدخول في صلاة الإمام ومتابعته وتأخير القضاء، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إذا كان يصلي كان الانفراد عنه بالصلاة التي هو فيها رغبة عن اتباعه.

فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلّم - له هذا الاجتهاد وأمر بقبوله عنه، ولم يجعل اجتهاده في حياته شرعًا في الدين.

فأولى أن لا يكون اجتهاد عمر رضي الله عنه مردودًا عليه بأن شرع في الدين والله أعلم.

(فصل)

وأما وقت هذه الصلوات من الليل، فقد روي عن عمر رضي الله عنه أمر بباقيه، فإنهم في شهر رمضان وكانوا ينامون ربع الليل ويقومون ربعه وينصرفون لربع يبقى منه لسحورهم وحوائجهم.

وفيه وجه آخر وهو أن يؤخر العشاء الآخرة إلى ربع الليل، فإذا صلوها قاموا بعدها ربع الليل بالصلاة ثم رقدوا.

يروى عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: كان الناس يصلون العشاء في شهر رمضان زمان عمر رضي الله عنه وعثمان ربع الليل الأول، ثم يقومون الربع الثاني، يرقدون ربع الليل، ويحتمل أن يكون تمام ذلك، ثم يقومون لسحورهم وحوائجهم.

وله وجه ثالث وهو أن يقام العشاء الآخرة لأول وقتها، ويرقد من شاء ويقيم من شاء غيره لاه ولا لائج إلى ربع الليل أو ثلثه، ثم يقوم النوام ويجتمع الأوزاع ويصلون، فأما إقامة العشاء لأول وقتها ووصل القيام بها فذلك من بدع الكسالى والمترفين، وليس من القيام المسنون بسبيل، إنما القيام المسنون ما كان من النوم، فهو كسائر المتطوعين ليلًا ونهارًا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت