فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 1217

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ(75)فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(76)}

ومما جاء في إخلاف الله للوعد ما يروى أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «قليل تقوم بشكره خير لك من كثير لا تقوم بشكره» ، ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله، ادعو الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إن لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهبًا وفضة صارت» .

ثم أتاه بعد ذلك، فقال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني مالًا لأعطين كل ذي حق حقه.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «اللهم ارزق ثعلبة مالًا، ثلاثًا» .

فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود، فتحول إلى أودية المدينة، فكان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة.

ثم كثرت غنمه ونمت فتباعد أيضًا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة.

فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار.

فذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا ما يسعها واد.

فأنزل الله تعالى آية الصدقة».

فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - رجلًا من بني سليم ورجلًا من جهينة وكتب لهم أسباب الصدقة كيف يأخذان وأمرهما أن يمرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم.

فمروا، وقالا لثعلبة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أمرنا أن نمر عليك، ونأخذ صدقة مالك.

فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أحب الجزية، فارجعوا إلي حتى أرى رأيًا.

فخرجا، وسمع به السلمي فاختار خيارًا في أكلها، فتلقاهما بها فقال: يا هذا عليك.

فقال: خذاه، فإن نفسي بذلك طيبة فجزاء على الناس وأخذ للصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة.

فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أحب الجزية.

اذهبا حتى أرى برأي.

فأقبلا، فلما رآهما رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، قبل أن يبلغاه قال: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي» .

فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقضي عليه القضاء، وأنزلت هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} .

وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ناس من أقارب ثعلبة، فذهبوا إليه فأخبروه بما أنزل الله فيه، فجاء بصدقة ماله، فقال: يا رسول الله، اقبلها مني، فقال: «إن الله منعني أن أقبلها منك» .

فجعل على رأسه التراب وجعل يقول: يا رسول الله اقبلها مني: فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن يقبلها منه، حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أتى أبا بكر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، قد علمت موضعي من الأنصار، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قد عتب علي في شيء فاقبل مني صدقة مالي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ما قبلها منك وأنا أقبلها منك.

فتوفي أبو بكر ولم يقبلها منه.

فاستخلف عمر رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبل منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر رضي الله عنه فأنا أقبلها منك، ثم توفي عمر رضي الله عنه ولم يقبلها.

واستخلف عثمان رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر ولا عمر، فأنا أقبلها منك، فأبى أن يقبلها، فرجع، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت