فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 1217

وأما إنه {لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} فدلالته إثبات الصانع الواحد لاقتضاء الصنع إياه فالصنع يقتضي الصانع، ولكنه لا يقتضي عددًا، وفي وجود الصانع الواحد ما يقوم به الصنع، فلم يجز إثبات صانع آخر غير مشاهدة ولا دلالة عقل بوجه من الوجوه.

وأيضًا فإنه لو كان صانعان لم يخل من أن يقدر بكل واحد منهما على قهر الآخر ولا يقهر عليه، فإن كان يقدر عليه، فالمقدور عاجز، وإن كان لا يقدر فهما عاجزان، والعاجز لا يكون إلهًا.

وأيضًا فلو كان إلهان لكان من حق كل واحد منهما أن يكون تام القدرة نافذ الأمر، وإذا وقع منهما القصد إلى الخلق، أن يخلق منهما التدبير، فيريد أحدهما غير ما يريده الآخر، يفعله الآخر ليظهر بذلك الإلهية وقدرته، فإن ذلك إن لم يكن وقع الخلق والتدبير منهما متفق، لم يعرفا إذا كان الإله إنما يعرف بما كان من أفعاله فإذا لم يظهر فعلًا، لم يمكن أن يكون فاعلهما واحدًا، لم يعرف الفاعلان، فلو كانا، ووقع ذلك منهما لم يخف في هذا العالم آثارهم، ولزال النظام عنه، وغلب التفاوت عليه، وفي وجودنا إياه متسعًا مطردًا على ضرب واحد من ضروب التدبير لا تفاوت فيه ما دل على أن خالقه ومدبره واحد.

فإن قيل: ما أنكرت أنهما إلهان قادران حكيمان فلا يختلفان، لأن ما يريده أحدهما لا يخلو من أن يكون حكمه، فلو خالفه الآخر لم يكن حكيمًا، وفي كونهما حكيمين ما أحال أن يكونا متخالفين؟

قيل: إن كانا حكيمين ما تختلف أفعالهما إذا فعلا ليظهر كل واحد منهما بأفعاله التي لا يمكن أن تكون واقعًا من الذي وقعت منه أضدادها فإن الحكمة لا تطلق التلبيس، ومن التلبيس أن لا يفعل كل واحد منهما إلا ما يريده الآخر، لأنه لا يظهر بالفعل الواحد أن له فاعلين إذا كان الفعل لا يقتضي لوجوده وتيسره إلا فاعلًا، والعدد ليس من شرطه بالإتفاق على الفعل أداء تلبيس واتهام من كل واحد منهما، إن الإله واحد، وهذا خلاف الحكمة، فثبت بما ذكرناه أن عدم التفاوت في الخلق والتدبير ليس إلا من وجه: أن الإله واحد، وبالله التوفيق.

وأيضًا: فإنه إن كان فاعلان يتفقان على الأفعال بحكمتهما، ولا يختلفان، فلا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادرًا على التفرد بما يفعله الآخر، أو غير قادر.

فإن كان غيره قادر، فهما جميعًا ناقصان، إذ كان كل واحد منهما محتاجًا إلى معاونة الآخر.

فإن كان فسادًا فيهما إذا اجتمعا على الفعل ففعلا، وجد الفعل منهما على وجه التغالب والمنع من كل واحد منهما للآخر، على أن يخلص الفعل له وحده فينسب إليه دونه، والمتغالبان المتقاومان هما جميعًا عاجزان، وأن العاجز لا يكون إلهًا، فثبت أن عدم التفاوت في الخلق إنما كان لأن الخالق واحد وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت