فإن قيل: لو كان هذا هكذا، لوجب إذا حلف الرجل: ليضربن عبده اليوم مائة، ثم عفا عنه ولم يضربه حتى انقضى اليوم، أن لا يجيب، لأنه لو صرح فقال: لأضربنه اليوم إلا إن شاء العفو عنه فعفا ولم يضربه حتى انقضى اليوم ولم يحنث، قيل: إنما حنث لأن كلامه يحمل على التعليق الذي ذكرنا إذا صدر منه مطلقًا، فلم يظهر لنا أنه أراد خلاف ما هو العادة في مثله.
وأما إذا أكد وعيده باليمين التي يراد بها في العادات أيضًا تأكيدًا للأمر المحلوف عليه، والاحتراز من وقوع الحلف منه كان البت أغلب عليه وأولى بظاهره من التعليق وصار الحالف لذلك كأنه قال: «لأضربنك اليوم شئت أو كرهت، شفع شافع أو لم يشفع» .
ولو قال ذلك فانقضى الوقت ولم يضربه يحنث.
وكذلك إذا أكد قوله باليمين، ثم خالف ما قال حنث والله أعلم.
وأما الجواب: عما قالوه في الشفاعة، فهو أنه قد جاء عن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .
وأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لكل نبي دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» .
ووردت الأخبار المتواترة فلا عذر في ردها والذهاب عنها.
وأما قول الله - عز وجل - ولا تشفعون إلا لمن ارتضى أن تشفعوا له، كما قال: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ولا يحتمل أنه غير ذلك.
لأن المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك أو نبي.
فصح أن المعنى ما قلنا، ولا يجوز أن يقال: إن الله - عز وجل - لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأن المذنب هو الذي يحتاج إلى الشفاعة، حائلًا بينه وبين الشفاعة.
قيل: امتناع الشفاعة للكافر لأن ذنبه كبير، تعالى الباري المشفوع إليه جل ثناؤه، أو الرسول الشافع صلوات الله عليه، أو لأن الله - عز وجل - أخبر أنه لا يشفع فيه أحد، فهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة، فجاز أن يشفع له عند النبي - صلى الله عليه وسلّم -، وليس ذلك بمخالفة خشية الله - عز وجل - لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد الإذن من الله تعالى فيها.
وإذا جاء الإستئذان والتوقيف إلى أن يكون الإذن، فقد وفيت الخشية حقها والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} .
فإنه لا يدفع الشفاعة لأن المراد بالملك، الدفع بالقوة، كما يكون في الدنيا أن يدفع الناس بعضهم عن بعض وعن أنفسهم بالقوة، ولا يكون ذلك يوم الدين.
والشفاعة ليست من هذا الباب لأن ذلك من ذي الشفاعة للمشفوع عنده، وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله من يوم الدين.