فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 1217

(فصل)

فإن لم يكن لمن جمع شرائط الأمانة عهد من إمام قبله، واحتيج إلى نصب المسملين إياه فأشبه ما يقال في هذا الباب عندي وأملاه بالحق، أنه إذا اجتمع أربعون عدلًا من المسلمين أحدهم عالم يصلح للقضاء بين الناس فعقد، والرجل جمع الشرائط التي تقدم ذكرها للإمامة بعد إنعام النظر، والمبالغة في الاجتهاد، تثبت له الإمامة، ووجبت له عليها الطاعة، وينبغي أن يبدأ الذي بينهم بالعقد ثم العدول الذي ليسوا في العلم والرأي مثله، وأصل هذا أن الصحابة لما اختلفوا في الإمام بعد النبي - صلى الله عليه وسلّم -، ثم اجتمعوا على أبي بكر رضي الله عنه، كان سبب اجتماعهم اشتقوا له الإمامة المطلقة العامة من إمامة الصلاة فقالو: قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فمن ذا يؤخره؟ وقالوا: رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لديننا فرضيناه لدنيانا! فكما وجبت مبايعتهم على تقديم أبي بكر، فالاعتراف له بالإمامة كذلك تجب مبايعتهم.

في هذا الاستدلال واستباق حكم الإمامة المطلقة في الإمامة الخاصة، وهي إمامة الصلاة فيما تدعو الحاجة إليه.

ثم إن وجدنا الصلاة تختلف، فمنها ما لا يجوز إلا بالاجتماع عليها، ومنها ما يجوز في حال الانفراد، فلم يصح اشتقاق حكم الإمامة التي لا يثبت إلا بالاجتماع عليها من الإمامة الصلاة التي تصبح من غير اجتماع وعليها فوجب اشتقاق حكمها من إمامة الصلاة التي لا يجوز الاجتماع عليها وهي صلاة الجمعه.

وقد قام الدليل على أن صلاة الجمعة لا تنعقد للأربعين رجلًا، ثم أن الأربعون الذين تنعقد بهم الجماعة من شرطها أن يكون أحدهم إمامًا يتولى بهم الصلاة، والآخرون يتبعونه.

فأوجبنا أن يكون أحد الأربعين يعقدون للإمامة المطلقة عالمًا يصلح مثله للقضاء، فيكون هو الذي يتولى الاجتهاد والنظر ويبدي رأيه للأخرين فيبايعونه.

فإن قيل: إن الصلاة التي اشتقت الصحابة إمامة أبي بكر رضي الله عنه من إمامته فيها كانت غير الجمعة، وكانت من الصلوات التي يجوز الانفراد بها، وخبر كل صلاة جماعة باجتماع اثنين عليها، فيقولون إن الإمامة تثبت باجتماع عدلين على العقد.

فالجواب: أنهم إنما اشتقوا استحقاقه للإمامة المطلقة العامة من تقديم النبي - صلى الله عليه وسلّم - إياه للإمامة الخاصة.

وليس إذا كان مستحقًا لها صار إمامًا، لكنه إنما يصير إمامًا بأن يعقد له: فإن الإمام من يؤمر به لأمر يستحق أن يؤثم به فقط.

فلم يجز إذا استدل بإستحقاقه للإمامة في الصلاة المحتملة للانفراد على استحقاقه للإمامة المطلقة أن يستدل بقيام إقامته فيها بواحد ينضم إليها على قيام الإمامة المطلقة بواحد أو اثنين، لأن العقد غير الإستحقاق، وهو منزلة بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت