فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 1217

وينبغي أن يكون جلوس الخصمين بين يدي القاضي ليمكنه أن ينظر إليهما نظرًا واحدًا، ولو أجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ولم يمكنه إلا أن يلتوي نحو كل واحد منهما إذا أراد أن يكلمه، وجلوسهما بين يديه، أقدم وأعدل، وإلى تعظيم حكم الله أقوى.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر» .

وروي أنه كان بين عبد الله بن الزبير وعمرو بن الزبير خصومة، فدخل عبد الله على سعيد بن العاص وعمرو معه على السرير.

فقال له سعيد: ها هنا.

فقال عبد الله: لا.

قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم.

(فصل)

وإذا اختصم اثنان إلى القاضي، فينبغي أن يأمرهما بالاصطلاح، فإن لم يتفقا على من يصلح بينهما، اختار لهما أحد الثقات وأمرهما أن يأتياه فينظر في أمرهما ويصلح بينهما.

كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهما الضغائن، فإن لم يقبلا وألحا على الحاكم فطلبا حكمه حكم بينهما بما يثبت عنده.

وأعلى ما يثبت به قول المدعي عند القاضي: إقرار الخصم، أو على وقوع القاضي بعيان أو سماع ثم إشهاده والشهود، ثم الشهادة واليمين في الأموال، ثم النكوث ورد اليمين في كل ما يستخلف المنكر عليه جهات بثبوت قول المدعي عند القاضي.

فإن كان ادعى على الخصم عقدًا أو فعلا يلتمس منه حقًا، نظر الحاكم فيه، فإن كان يجب له بذلك العقد أو ذلك الفعل ما يطلبه أعطاه ذلك منه إذا ثبت العقد أو الفعل وإنما يثبت ذلك بما تقدم ذكره.

فأما وجوب الحق الذي يطلبه بذلك العقد وبذلك الفعل، فإنما يثبت عند الحاكم بكتاب الله، أو بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أو إجماع الأمة أو القياس على أحد هذه الأصول.

وروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أنه لما بعث معاذًا ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن قال: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله.

قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله.

قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيًا.

قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله».

والقياس قياسان: أحدهما أن يكون الفرع يشبه أصلًا واحدًا، أو لا يشبه أصلًا آخر مخالفًا في حكمه من وجه، فيرد إلى ما أشبه.

والآخر: أن يشبه أحد الأصلين من وجه آخر إلا أنه أخطأ.

فإن كان أخطأ نصًا جليًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو قياسًا لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا نقض الحكم على نفسه، ونقضه عليه غيره.

وإن كان أخطأ نصًا محتملًا وقياسًا محتملًا لم ينقضه، ويستأنف الحكم بالقياس الذي رآه ثانيًا إن كان أرجح عنده فيما رأى به أولًا، فلا يستأنف الحكم بالنص المحتمل الذي خالفه بحكمه الأول، لأن القياس بين منزلته، ودل على أن المراد به ما خرج عن دلالته.

وإذا رأى الحاكم رأيًا، ورأى غيره من العلماء رأيًا، ولم يظهر له رجحان رأي غيره، فلا يحل له أن يقبل منه ويحكم به.

وهكذا إن استمر بالحاكم الإشكال فأشار عليه غيره من العلماء برأي ولم يبن له وجهه، ولا ظهرت لديه صحته، فليس له أن يقلده ويحكم به.

فإن حكم به أو ترك رأيه الذي استبان صحته لرأي غيره الذي لم يستبن صحته، وصرح بذلك عندما ينفذ الحكم، لم يجز حكمه.

وإن قال ذلك بعدما نفذ الحكم، فإن كان عرف أنه من الحكام الذين يرون هذا جائزًا صدق.

وإن كان لم يعرف منه هذا، وإنما عرف خلافه، إلا أنه ادعى أن رأيه يغير بحكم هذا الحكم بقول غيره، لم يقم عند الدليل تقليدًا، لم يصدق على المحكوم له، ولم يرد حكمه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت