(فصل)
وينبغي للصائم أن يصوم بجميع جوارحه، كما لا يأكل ولا يشرب ولا يباشر أهله، فكذلك ينبغي له أن يصوم ببشرته فلا يقض بها إلى بشرة أهله بشهوة، وبعينه فلا ينظر إليها بشهوة، وبقلبه فلا يتفكر في محاسنها، لئلا تساوره الشهوة فيكون منه ما يفسد الصوم أو تبور منه الجنابة، فيكون قد قضى شهوته، ويطيل ببذل الصبر أجره، وبلسانه فلا يغتاب ولا يسب ولا يخاصم ولا يكذب، ولا يرجى زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسماء والمضاحك، والثناء على من لا يستحق الثناء والمدح، والذم بغير حق وغير ذلك.
وبيده لا يمدها إلى باطل، وبرجله لا يمشي بها إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يفسدها في باطل.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» .
وقال: «إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل.
فإن أحد جهل عليه فليقل: إني صائم».
ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ فليقل في نفسه إني صائم، فلا ينبغي أن أساور وأخاصم.
وبما يستحب في هذا الشهر الجود والإفضال، وقد مر القول فيه في بعض الأبواب المتقدمة، وأفضل ذلك كفاية المحتاجين، أم فطرهم.
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «من فطر صائمًا فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء» .
ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ أن الملقي شغل فطر إنما يصوم بمعرفة الكافي، فكان صيامه واقعًا منه.
فلهذا كان له مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء، لأن صومه لنفسه وما عند الله واسع.
فإذا أفطر الصائم فينبغي أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فالماء.
هكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -.
ويستحب أن لا يفطر على شيء مسته النار، ولا بأن لا يتبع موضع الهزم أثر النار.
وكما ينتهي أن يتبع الجنازة بحمر أنفًا، ولا للميت بإبعاد النار عنه.
وقد جاء عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يفطر على ثلاث تمرات، أو على شيء لم تمسه النار.
وإذا أفطر الصوام عند رجل، فحسن أن يدعو لنفسه ولأهل بيته ولجماعة المسلمين بالمغفرة، وما يهمه من كرب إن كان به، وهو يبغي الفرج عنه، أو ما يجري مجراه، لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن للصائم عند فطره دعوة مستجابة، وروي عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» .