ولا يجوز حكم الحاكم لنفسه ولا لولده ولا لوالده.
وإذا خوصم القاضي ارتفع إلى من ولاه، فإما قضى بينهما، وأما ولى نائبًا فقضى بينهما.
ولا يجوز حكم من يصطلحان على حكمه بغير أمر من وال يوليه الحاكم والنظر في أمور المسلمين.
ولا يجوز للحاكم أن يستخلف لمرض ولا لغيبة ولا لكثرة شغل في المصر ولا في أطرافه، إلا أن يكون الذي ولاه جعل ذلك له.
وإذا مات الإمام أو الوالي الذي يعمل القاضي من يده، لم ينعزل القاضي وليس في ذلك كالوكيل ينعزل بموت موكله، لأن الوكيل يعمل برأي الموكل ورأيه يقطع ويفوت بموته.
وإذا عزل القاضي عن عمله فقضى قبل أن يبلغه خبر عزله كان قضاؤه جائزًا، وأقل البلاغ أن يخبره به عدل واحد.
ألا ترى أن أهل قباء لما بلغهم في الصلاة أن القبلة حولت استداروا وبنوا، ولم يستأنفوا، وما صلوا قبل البلاغ كان مجزيًا عنهم.
وإذا عزل القاضي فقال: كنت قضيت لفلان على فلان بكذا، لم يقبل عزله، ولو ادعى رجل أنه جائر عليه فأخذ منه، وإلا فدفعه إلى فلان، وقال القاضي أحدثه ببينه قامت لخصمه عندي، أو لأنه أقر بذلك عندي، وقال المدعي: ما قامت علي بينة ولا أقررت، لم يقبل قول قول القاضي، وكان عليه العزم إلا أن يقيم بينة على ما يدعيه من العدل قياسًا على السألة قبلها.
وإن قضى القاضي بشهادة من لا تجوز شهادته خطأ ثم ظهر له ذلك، رد حكمه وضمن عين الدم في حاله، وضمنت الدية لعائلته نفسًا كان أو جرحًا.
(فصل)
ويستحب للقاضي إذا أراد نصب قيم في تركة، أو حبس أو بعث قسامًا أن لا يستعمل قرابته لما يلحقه في ذلك من التهمة، ويبسط في عرضه من الألسن.
وقال أهل العلم: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يول أحد منهما من قومه أحدًا، ولا استعمله على عمل قط.
وقال عمر لعثمان وعلي رضي الله عنهم: وإن كان قومكما لم يؤمروا غيركما، فاتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحل من بني أمية على رقاب الناس.
وقال لعلي مثل ذلك.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: لما دخل الرهط على عمر قبل أن تنزل به قال: اتق الله يا عثمان إن وليت شيئًا من أمور المسلمين، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، واتق الله يا علي، إن وليت شيئًا من أمور الناس، فلا تجعلن بني هاشم على رقاب الناس.
إلا إن عثمان وعليًا رضي الله عنهما خالفًا رأي عمر في ذلك.
فروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: إن عمر كان يحترم قرابته لله، وأنا أعطي قرابتي لله.
وولى علي ابن عباس، وهو ابن عمه، ولم يرو عنه أنه أنكر قول عمر لأنه كان يحرم قرابته الولاية لله.
وذلك رأي سديد لأنه لا يؤمن أن يدل بأنه قرابة أمير المؤمنين فيكون ذلك منه ما يذم ما لا يكون من غيره، ولم يكن يحرمهم الفيء، ولا ما يخرج حرمانه إياهم إلى قطعه الرحم.