وإنما قلنا هذا لأنه جاء في الحديث أن تلك الليلة تطول، ولا يعلم بها المجتهدون وأصحاب الأفراد، فإنهم يفرقون من أورادهم ولا يتخلى الليل عنهم، حتى يعودوا فيستوفون أوراد ليلة أخرى، فعلمنا أن طلوع الشمس من مغربها إنما هو: من أن تغرب الشمس فتسير سيرًا مستقيمًا حتى إذا قطعت ما تحت الأرض وكادت تطلع رجعت وراءها فتقطع ما تحت الأرض راجعة في قدر ليلة أخرى، حتى بلغت موضعها التي غربت منه ظهرت فرآها الناس طالعة من مغربها، فيكون عند ذلك كرجوع الكواكب مما ألقاه الله إلى عباده، وعلم رجوع الشمس مما استأثر به، ولم يوقف أحدًا على الحال التي هيأها له وبالله التوفيق.
(فصل)
ثم إن الحكم في تقديم الأشراط دلالة الناس عليها وإخبارهم: بأن منها ما إذا وقع لم ينفع نفسًا إيمانها بتنبيه الناس عن رقداتهم وحثهم على الاختيار لأنفسهم بالتنزيه والإثابة لي لا يعامضوا بالخول بينهم وبين تدارك الفوارط منهم وليكونوا عند ظهور هذه الأشراط شيئًا فشيئًا كالمريض إذا صادف إشراط الموت عليه شيئًا فشيئًا، فإنه لا يألوا في ذلك الوقت أن يتوب ويوصي وينظر لنفسه ولورثته وسائر أصحاب الوسائل عنده، ولذلك ينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة، نظرًا لأنفسهم وانقطاعًا عن الدنيا واستبقاء بالساعة وإستعدادًا لها وبالله التوفيق.
(فصل)
وكل ما تقدم ذكره في إخفاء أمر الساعة على الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم، وتفرد الباري جل جلاله بعلم وقتها مما لا يختلف فيه المسلمون، وقد أكثر المنجمون الحوادث في وقت انقضاء العالم، ولم يقل أحد منهم فيه شيئًا يعلم لكن بظن وحدس، لأن جماعتهم استبقوا ما قالوه من أحوال الكواكب، فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة لكل واحدة ألف سنة.
وقال بعضهم: ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة.
وذكرت الهند لذلك حسابًا طويلًا جعلوا آخره أن تجتمع الكواكب كلها في آخر نقطة من الحوت، فتعود كما كانت حتى تحركت من أول نقطة من الحمل، وذلك أمد بعيد جدًا، وما بقي من أيام العالم عندهم في هذا الحساب، أكثر مما مضى.
وليس هذا حكيمًا يمكن القطع به، وإن كانوا في الحساب الذي حسبوه مصيبين، لأنه قد يجوز أن يكون هذا الأمر محتاجًا إليه لتصير الكواكب في آخر الحوت، كما كانت اليوم الأول في أول الحمل إن تركت وبلوغ هذه الحال والمصير إليها، ولكنها لا تترك وذلك لرجل يقول: بيني وبين أن أبلغ سن أبي ثلاثون سنة، فإن أبي بلغ مائة سنة، وأنا ابن سبعين سنة، فيكون صادقك في قوله، ولكن على معنى أن بينه وبين أن يبلغ سن أبيه ثلاثين سنة أن ترك وعمر، وقد يمكن أن لا يترك وبلوغها بل يخترم دونها.
فلذلك ما قاله هؤلاء في انقضاء الدنيا فهذا سبيله.