ثم من المعلوم إن شاء بينه الله عباده في أرضه، إنما هي أحكامه وحدوده، وإن ظلت علمها في الوجوب كعلم العبادات، وإن العلم إنما يحتاج إليه للعمل، فلولا وجوب العمل لم يجب العلم، وإذا كان كذلك لم يجز إذا كانت الأحكام من الله تعالى واقعة، والحدود على أهلها واجبة، وطلب العلم الذي به يهتدي إلى ما شرع الله تعالى منها فرضًا لازمًا أن يكون القائم بهما مذمومًا أو متوعدًا، والقيام بهما مكروهًا أو مقبحًا.
فصح إن كل ما جاء بخلاف ما رويناه في هذا الباب فمحمول على تعظيم أمر القضاء، والدلالة على خطره ورفعه قدره، لا على الكراهية إن فيه قبحًا أو متاعًا، أو سقاطة، وإن من نفر منه فلا سفاقة من أن لا يقوم بحقه، ولذلك ينفر من نفر عنه، هو على معنى الإشارة للأحوط إذا كان من الخطر بحيث لا ينبغي أن يأمن كل أحد نفسه عليه ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يتولاه بنفسه، وبذلك بعثه الله تعالى، وبعث عليًا ومعاذًا وغيرهما قضاة، فلا كان القضاء مكروهًا، والقاضي ملومًا لما شرع الله تعالى القضاء، ولا أمر به أنبياءه ورسله صلوات الله عليهم، ولا يولي رسله - صلى الله عليه وسلّم - القضاء أحدًا، ولا كان القضاء ولاية بل كان سفهًا وسفاهة، وفي القول بهذا هدم للإسلام ودفع للأحكام، وما دعا إلى ذلك فهو من أعظم الفساد، وقد قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع» فإذا كان العامل على الصدقة كالغازي إذا لم يجر ولم يعتد.
والقاضي أشرف منه عملًا، فهو بأن يكون كالمعاهد في سبيل الله إذا عدل أولًا.
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يسمع» .
فماذا كان لطلب العلم هذا الفضل، فمن ضم إلى طلبه العمل به فهو للفضل أولى، والعمل يصلح الأحكام ويفسدها، وحمل الناس عليها وأخذهم بها.
فلذلك شبهه السلف بالعبادة، وفضله بعضهم عليها والله أعلم.
(فصل)
وإذا دعا الإمام رجلًا إلى عمل من أعماله، قضاء أو غيره، والرجل ممن يصلح له فأبى فإن وجد الإمام من ينوب في ذلك أعفاه، وإن لم يجد أحدًا يقوم مقامه فيه أجبره عليه دعا عمر رضي الله عنه سعيد بن عامر الجمحي، فقال: إني مبعثك على أرض كذا وكذا، فقال: لا تعيني، فقال: والله لا أدعكم، قلدتموها عنقي ثم تتركونني.
وقد يحتمل هذا تفصيلًا هو أن الإمام إذا كان ولى أعماله القريبة منه رجلًا ونفى عليه عمل بعيد، فلم يجد إلا واحدًا يصلح له وأراده عليه فامتنع منه.
فإن كان الرجل يصلح لبعض الأعمال الدانية، والذي يتولى ذلك العمل يصلح للعمل البعيد، وكان أن أمره أجاب، فلا كراهية، والكاره له إن ولي العمل القريب كان ذلك أخف على قلبه فينبغي للإمام أن يترقى بالإدنى فيعد إلى البعيد غيره، ويولي هذا مكانه لئلا يكون قد أجلاه بلا ذنب أحدثه.
وإن كان يكره القريب كما يكره البعيد، ولا يكره البعيد لأجل النأي والغربة، نظر الإمام في أمره بما يريه الله عز وجل.